التوجيهي و مقترح وزارة التربية للتغيير مرة أخرى
هشام يوسف أبو غوش
إنه لمن المفرح حقاً أن التغيير المقترح من قبل وزارة التربية والتعليم بشأن نظام امتحان الثانوية العامة قد أخذ يتفاعل في أوساط المجتمع الفلسطيني، لا سيما وأن هذا الموضوع يهم الجميع. أولاً وقبل كل شيء، أود أن أؤكد على أن مجرد الحديث عن التغيير بشأن هذا الامتحان هو أمر إيجابي، ذلك لأن الاستمرار في خضوع طلبة الثانوية العامة لامتحان قارب عمره عمر النكبة هو نكبة جديدة.
من حق أي مواطن في هذا البلد إبداء رأيه في هذا الموضوع الخطير، لأنه في نهاية المطاف يمسنا جميعاً فرداً فرداً ودون استثناء. وينبغي علينا احترام أية وجهة نظر وخاصة تلك الصادرة عن الأخصائيين والممارسين التربويين، كما ويتوجب علينا مناقشة صاحبها أو صاحبتها بهدوء وبأسلوب متحضر حتى نتوصل جميعاً إلى الشكل الأفضل والأنسب لهذا الأمر. مع ذلك فإنه من المهم التأكيد على أن عملية الكتابة والنشر في الصحف والمواقع الإلكترونية تنطوي على مسئولية كبيرة تقع على الكاتب نفسه، لأن ما يكتبه الكاتب يصل إلى جمهور واسع، ولأنه أيضا من المفترض أن يكون متقدما عن المواطن العادي، لذا عليه أن يتحرى الصدق والأمانة، والإلمام الكافي بتلابيب الموضوع. من هنا ينبغي على كل من يكتب في هذا الأمر الحساس الذي يمس المجتمع بأسره أن يكون ملما بكل تفاصيل مقترح التغيير الذي صدر عن وزارة التربية والتعليم، وربما من المستحسن أن يكون قد حضر عددا من الندوات حول هذا الموضوع. و أهم من ذلك كله، لا بد له أن يكون على اطلاع ومعرفة جيدة بالجوانب التربوية، إما من خلال ممارسة العمل التربوي، أو من خلال الثقافة الناجمة عن الاهتمام والمتابعة، والأفضل من خلال كليهما معا. وإلا فإن ما يكتبه لا يعدو كونه مجرد انطباعات شخصية وشطحات مزاجية تفتقر لأدنى مقومات العمل الكتابي، ولا تليق بكاتب يحترم قلمه.
عندما نحكم على "التغيير المقترح" فإننا نحكم على توجه تبنته وزارة التربية والتعليم ما زال في طور المقترح، ولا نتحدث عن تغيير تم إقراره والمصادقة عليه من جميع الجهات المسئولة وأصبح حيز التنفيذ. بالنسبة لي فإنني أرى أن هذا التوجه هو منحى إيجابي تنتهجه الوزارة، وجدير بأن يتم تجريبه. ليس من الصواب أن يقوم البعض بالحكم عى هذا التوجه بالفشل قبل أن ينتقل من مرحلة "المقترح" إلى مرحلة "الإقرار" ومن ثم إلى مرحلة "الشروع بالتطبيق". إن مثل هذا الحكم المتسرع لا يختلف مطلقا عن مجموعة من الناس تمشي في جنازة شخص لم يولد بعد، ولكنه ما زال جنيناً في جوف أمه.
في جلساتنا الاجتماعية مع الأهل والأصدقاء، ومن خلال ما نسمعه ونقرأه عبر وسائل الإعلام المختلفة، نصادف بعضاً من هؤلاء الذين قد كونوا رأياً جاهزاً يرفض التغيير الجديد ويحكم عليه بالفشل قبل أن يبدأ، وربما يفعلون ذلك دون أن يطلعوا على خطة الوزارة لهذا التغيير، ذلك أن كتاباتهم تخلو من الإشارة لأي بند من الخطة الجديدة المقترحة، ويعتمدون بشكل كامل على ما سمعوه من الآخرين، أو من أشخاص قابلوهم بمحض الصدفة في الشارع قبل كتابة مقالهم بدقائق، و ربما يعتمدون بقدر أكبر على مخزونهم السلبي وقصير النظر في تناول المواضيع والتعاطي مع كل ماهو جديد. فمثلاً تراهم لا يتطرقون إلى التغيير إلا من خلال جوانبه الشكلية ويتجاهلون كل ما يتعلق بالجوهر، بل والأنكى من ذلك ينكرون وجود أي جوهر. ومن بين ما يقوله هؤلاء أن تقديم الامتحان على فترتين في الحادي عشر وفي الثاني عشر(وهذه بالمناسبة مسألة شكلية) سيوتر العائلات الفلسطينية على مدار سنتين بدلاً من أن يكون هذا التوتر على مدى سنة واحدة وفقاً لنظام التوجيهي القديم، والذي ما زال قائماً حتى هذه اللحظة. لماذا لا نقول، بدلا من ذلك، أن عبء التوتر سيخف عندما ينقسم الحمل إلى نصفين، نصف في الحادي عشر ونصف في الثاني عشر، خاصة وأن الطالب سيتقدم لستة مواد فقط في كل سنة بدلاً من اثنتا عشر مادة كان يتقدم لها دفعة واحدة؟
في هذا المجال، وما دمنا نتحدث عن الشكل والمضمون، أود هنا أن أورد بعض التغييرات المقترحة وهي مقتبسة نصاً حرفياً من "النسخة قبل النهائية" للمقترح المسمى: "نظام امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة (النظام الجديد)"، والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على نية الوزارة الصادقة وتوجهها الأصيل لإحداث تغييرات لا تتعلق بالشكل فقط وإنما تستهدف المضمون.
أولاً: الفقرة (2) من "التقديم" والتي تنص على ما يلي:
"أهمية مراعاة المعايير الفنية في مجال بناء الامتحانات والانسجام مع التوجهات والخبرة الدولية في هذا المجال. إذ أشار العديد من الدراسات في فلسطين وخارجها إلى أن امتحان الثانوية العامة بشكله الحالي يركز في الغالب على قياس قدرة الطلبة على إعادة المعلومات المختزنة، وعلى الالتزام بالقواعد والنصوص الموصوفة بالكتاب المدرسي، والتقيد بالمتوقع وليس بالإبداعي فكراً ونهجاً.... إلى آخر الفقرة".
أليس هذا دليل على التوجه نحو تغيير جوهر الامتحان من حيث نوعية وطبيعة أسئلته حتى تقيس قدرات ومهارات الطلاب الحقيقية من أجل أن تكون نتيجة الامتحان مؤشراً صادقاً على هذه القدرات والمهارات؟ إضافة لذلك، فإن جميع التربويين يعلمون تمام العلم أن الامتحان الجيد سوف ينعكس بالضرورة على أساليب التدريس كي تساير هذه الجودة.
ثانياً: تضمن عنوان "المنطلقات المحددة لعملية التطوير" البنود التالية، وهي أيضاً نصاً حرفياً من المقترح المشار له أعلاه:
1. البند الواقع في الفقرة الثانية والذي نص على ما يلي:
"ضرورة أن تتضمن عملية التطوير تشكيل فروع المرحلة الثانوية ومساراتها، بما يفضي إلى تحسين الخيارات المطروحة أمام الطلبة ويمكنهم من الربط بين تخصصاتهم في المرحلة الثانوية والتخصصات في دراستهم الجامعية".
2. البند الواقع في الفقرة الرابعة والذي نص على ما يلي "اعتبار تطوير مناهج الثانوية متطلباً مهماً من متطلبات عملية التطوير، لضمان تناسقها وانسيابيتها وتكاملها، وانسجامها ومتطلبات الالتحاق بالتعليم العالي، وتضمينها ما يؤدي إلى تطوير المهارات العقلية العليا لدى الطلبة".
3. البند الواقع في الفقرة الخامسة والذي ينص على "التحول التدريجي إلى قياس الكفايات (مهارات واتجاهات وقيم) أكثر من التركيز على قياس المعلومات، اعتماداً على الأسس العلمية والممارسات الجيدة والمعايير الفنية في بناء أدوات الامتحانات وفي تطبيقها، وبما يعزز الموثوقية في نتائجه".
أليست كل هذه الفقرات دليلاً على أن توجه الوزارة هو توجه نحو إحداث تغييرات جذرية في هذا الامتحان؟ أليست دليلاً على أن التغيير لن يقتصر على تغيير الامتحان فقط من حيث الشكل والمضمون، ولكنه سيطال النظام التعليمي ذاته، خاصة ما يتعلق بالمناهج والأساليب وغيرها؟ هل يمكن للتغيير أن يأتي دفعةً واحدة؟
إن تغيير النظام التعليمي برمته سيكون عملية شاقة وطويلة وستنطوي على الكثير من الجهود، وأيضاً على بعض النجاحات وبعض الإخفاقات بين مرحلة وأخرى، ولكن المهم هو السير قدما من خلال تعزيز الإيجابيات، وتقويم السلبيات أثناء عملية التغيير حتى الوصول إلى الهدف المنشود. إن وزارة التربية والتعليم لا تحمل عصاً سحرية تمكنها بطرقة واحدة أن تقلب النظام التعليمي القائم رأساً على عقب. بيد أن مجرد الإعلان عن التوجه نحو التغيير أفضل مليون مرة من أن نبقى أسرى لامتحان أكل عليه الدهر وشرب. و في هذا الصدد، فإن البعض يطالب بتبني نظاما تعليميا متقدما كلأنظمة الموجودة في كندا و في بعض الدول الأوروبية. إنهم يظنون، عن حسن نية تثير الشفقة، أنه من السهل أن تؤسس نظاما تربويا مثل الأنظمة الموجودة في أفضل الدول على المستوى التعليمي، والذي دلت على ارتفاع مستواه الاختبارات العالمية التي تجرى لطلاب من دول مختلفة، مثل النظام التعليمي الفنلندي. يمكنك الاطلاع على هذا النظام، والاستفادة من بعض جوانبه الإيجابية، بيد أن بناء نظام تعليمي كما هو الحال في فنلندا يحتاج إلى سنوات طويلة وجهود جبارة، عدا عن صعوبة القيام بمثل هذا الأمر، وذلك بسبب الخصوصية التي يتمتع بها كل مجتمع من حيث نظام الحكم، والثقافة السائدة، والوضع السياسي والاقتصادي، والإمكانات المادية والعلمية للبلد ، والتراكمات الهائلة التي ادخرها هذا المجتمع عبر السنين و التي كانت نتييجة المحاولة والخطأ, واستخلاص الدروس والعبر من تجاربهم وتجارب الآخرين...إلخ. إن من يظن أن الأمر بهذا اليسر لا يختلف عمن يعتقد أن بإمكان بلدا مثل فلسطين أن يصبح مصنعا لسيارات المرسيدس، والثلاجات والأجهزة الطبية عالية المستوى، وغيرها، بمجرد القيام بزيارة للمصانع الألمانية، ولا يختلف أيضا عمن يعتقد بأن مدينة مثل رام الله أو نابلس مثلا تستطيع أن تنشئ فريق كرة قدم خرافي كفريق برشلونة أو ريال مدريد بمجرد الحرص على متابعة جميع مباريات هذين الفريقين عبر شاشة التلفزيون.
لا بد للتغيير عادة أن يبدأ من مكان ما، ومن ثم ينتقل بالتدريج إلى الجوانب الأخرى، لأنه من المستحيل تغيير كل شيء دفعة واحدة. فهذه قدرة لا يمتلكها سوى رب العالمين.
المستهجن في أمر المتسرعين في رفض التغيير أن الوزارة تعلن جهارا أنها تعتزم التغيير، وإخوتنا هؤلاء يضعون رؤوسهم في الرمل، و يصيحون بأنهم لا يصدقون. دعنا نفترض أن الوزارة كاذبة في نواياها، أليس من الأحرى والحال كذلك، أن "نلاحق العيار إلى باب الدار"، كما يقول المثل الشعبي؟ لقد جربنا امتحان الوزارة الفاشل، كما يصفه إخوتنا المتسرعون، لمدة زادت عن نصف قرن، فماذا سنخسر لو جربنا كذبها بشأن التغيير ولو قليلا؟
من وجهة نظري وبناء على قناعاتي التي بلورتها من خلال العمل التربوي في المدارس والجامعات لمدة تتجاوز الثلاثين عاما، أرى أنه يجدر بنا أن نشجع الوزارة على الإقدام على التغيير بدلاً من تذكيرها أن هذا التغيير قد جربته دول عربية شقيقة وفشلت فيه، لا سيما وأن التغييرين المذكورين ربما يتشابهان في الشكل، ولكنهما و بكل تأكيد يختلفان في الجوهر. إن هؤلاء القوم المتسرعين ينطبق عليهم المثل الشعبي القائل: "لا أريد أن أرحمك، ولا أريك أن أدع رحمة ربك تنزل عليك". إن من يمتلك إرادة التغيير ويبدأ بالتنفيذ سوف يصل في نهاية المطاف إلى الشكل الأفضل، أما من يضع العصي في الدواليب فإنما يكرس امتحاناً غير فعال وغير ناجع.
أود أن أقول لمن لا يزال يرفض هذا الأمر: تفضل وهات ما عندك، أعطنا بديلك. هذا هو مقترح الوزارة فما هو مقترحك؟ إن من أسهل الأمور أن تنتقد عملاً ما، ولكن أصعبها أن تأتي بمثله أو بأحسن منه.
كما أود أخيرا أن أقول لمن يكتبون دونما أقل اطلاع على مقترح التغيير: لعل من أخطر الأمور أن تتحدث عن شيء ما وأنت لا تملك عنه معلومات كافية. رحم الله ذلك الحكيم الذي قال ذات يوم: "أن تتناول موضوعاً ما وأنت تملك عنه معلومات قليلة أخطر مليون مرة من أن تتناول موضوعاً لا تملك عنه أية معلومات".