سوزان عبد الله
21-03-2009
بالأمس لم يغمض لابنتي جفن ، لم تستطع النوم بين ذراعيي أو ذراعيي والدها ، ولم يكن حتى منتصف الليل بقليل عندما ارتمت في حضني بعد بذل جهداً كبيراً لإبقاء عينيها مفتوحتين . إنها في عامها الثاني وعلى ذلك تجد صعوبة كبيرة في التأقلم على وضعنا الجديد حيث قد انتقلنا مؤخراً إلى شقة جديدة مستأجرة . عادة ما يكون الانتقال إلى مكان جديد مبهجاً ، على الأخص عندما يأخذ الإنسان معه أغراضه الشخصية لإضفاء جزء من هوية العائلة على المكان الجديد ، ولكن انتقالنا هذا إلى شقة فارغة لم يكن باختيارنا ، قمنا بشراء بعض الأغراض الأساسية كالفراش وبعض الألعاب للترفيه عن الأطفال.
|
|
يصعب تفسير الأسباب التي أدت بنا إلى هذا الحال ، أنا لا أستطيع حمل نفسي على استيعاب ما حدث ، أعتقد أنني لازلت في مرحلة الصدمة . نحن عائلة صغيرة نقطن في مدينة غزة ، تزوجنا في عام 2002 وأنجبنا طفلين ، أسعدآدم/ يبلغ من العمر ستة سنوات وماريا تبلغ من العمر سنتين . نحن لسنا أثرياء ولم نولد لعائلات غنية ، أننا خريجا جامعات ونعمل بكد لنوفر حياة كريمة لأطفالنا . كنا نفخر بإنجازنا الكبير حيث استطعنا بعد أربع سنوات من زواجنا أن نشتري شقة ، وضعنا كل ما نملك لشراء بيتنا ، وكان لدينا أثاث جيد جداً ليدم فترة طويلة .
وبسبب طبيعة عملنا مع مؤسسات دولية غير حكومية يتسنى لنا السفر ودائما ما كنا نعود بحقائب مثقلة بالكتب لنا ولأطفالنا من الدول المختلفة التي زرناها . أنا أتحدث الإسبانية والإنجليزية ، وزوجي يجيد الفرنسية وعليه كنا نقتني كتب باللغات المختلفة ونفتح نافذة لأطفالنا على الثقافات الأخرى المتنوعة منذ الصغر . أتذكر عندما اخترنا ألوان الطلاء لحيطان البيت أنني تركت العنان لإبني الذي كان يبلغ من العمر ثلاث سنوات آنذاك ليختار اللون لطلاء غرفته ، إختار اللون الأخضر لانه لون الشجر . كم كنت أحب الستائر البرتقالية المليئة بنقوش الأزهار وفزاعة العصافير المعلقة في غرفته ، كنا أنا ووالدتي ، رحمها الله ، قد انتقينا القماش معاً و خاطت هي الستائر بكل الحب الذي تكنه لأطفالي . أن بدأت التحدث عن بيتي لن ينتهي الكلام ، أنا أغلق عينيي وأتخيل نفسي هناك وأعود وأفتحهما على واقعنا المرير في هذه الشقة الجرداء .
نعم ، لقد دُمر بيتنا ، اختفى عن بكرةِ أبيه، وكأنه تبخر تماماً ، لقد فقدناه ويجب أن أحمل نفسي على بلع هذه الحقيقة المريرة والمضي للأمام ، هل هذا الأمر ممكناً؟ الخيارات أمامنا محدودة ان لم تكن معدومة ، أشعر بغصة في حلقي كلما فكرت بالامر .
ان الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة الذي كان بدعوى محاربة الإرهاب قد أرهبنا و صدم أطفالنا ، أنهم لم يستهدفوا ويدمروا بيتنا فقط بل أحرقوه من السقف للأرض ولم يتبقى لنا أي شيئ ، لا منزل ، لا أثاث ، لا كتب ، لا أوراق ثبوتية ، لا شهادات ، لا ملابس ، ولا ألعاب للأطفال ، لا شيئ ، حتى الذكريات الجميلة فقد دمروها.....آه ، نعم لقد دمروها بقنابلهم اللعينة، ففي ليلة الخامس عشر من يناير لهذا العام تقدمت أفوهة الدبابات الإسرائيلية الحاقدة على حي تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة، وأخذت بجنازيرها مضغ كل ما تدب عليه، وتطلق قذائفها المدمرة ، الحارقة، الفتاكة، و المسمارية علي بيوت المواطنين المدنيين بدون أي ذنب، فماكن لنا إلا أن نترك البيت خوفا على سلامة الأطفال وسلامتنا، وبعد ساعات يتصل بنا جارنا ليبلغنا إن البيت تشتعل بهِ النيران نتيجة أصابته بقذيفتي فسفور حارقه أطلقتها دبابة إسرائيلية، وان لا احد يستطيع التقدم لإنقاذ البيت نتيجة كثافة النيران، وخطورة الموقف .
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، نحن افضل حالاً من العديد من العائلات التي فقدت أبنائها ، ان وجودنا معاً كعائلة هو ما سيصبرنا على محنتنا ويمكننا من تخطيها .
أولادنا هم كل حياتنا ، كل ما نفعله يكون من أجلهم ، لا انفك أفكر فيما أقترفوه ليمروا بهذا الهجوم الوحشي وينتهي بهم الأمر بفقدان بيتهم ؟ هل يمكن لأحد أن يفسر لي السبب لأهنأ بالقليل من راحة البال؟؟؟! ولكن حتى هذا الشيئ اليسير من راحة البال تحرمنا منه الحكومة الإسرائيلية في سياق سلبنا الحق في حياة آمنة يومياً .
يدعون أنهم قد كسبوا الحرب ، اولاً كانت حرباً من جانب واحد له اليد العليا في آليات الحرب وأثبتوا بجدارة مهارتهم في استخدام كل أنواع الأسلحة المحرمة من المجتمع الدولي ، وحطموا وكسروا كل الأرقام القياسية في خرق كل قوانين الحرب المتعارف عليها دوليا،ً بإستهداف المدنيين ومنازلهم ، المسعفين و سيارات الإسعاف ، المشافي المليئة بالمرضى و الطواقم الطبية ، المدارس المليئة باللاجئين ، المساجد المليئة بالمصليين ، وتستمر الجرائم ضد انسانيتنا التي لا تعد ولا تحصى .
هذا ويبرر المسؤلون الإسرائيليون سبب هذه الأفعال الشنيعة الى أمن دولة إسرائيل ، لقد انتهت الحرب الشعواء إلا أنهم لم يجنوا من ورائها سوى اتساع الهوه بيننا و بينهم وترسيخ استحالة التجاور بسلام معهم . لقد خلفوا بعدوانهم هذا جيلاً من الأطفال المعاقين جسدياً ونفسياً ، كم من طفلاً فقد أحد والديه ان لم يكن كلاهما وأصبح يتيماً بين ليلة وضحاها ، وماذا عن الأطفال الذين نجو ولكن أصيبوا اصابات بالغة ستبقى معهم طوال العمر . هؤلاء هم أجيال المستقبل ، ام أن يكونوا بذوراً للسلام أو الكراهية ، واسرائيل اختارت مصيرها معهم .
يدعون اننا نربي اطفالنا على كراهية إسرائيل ، آن لهم أن يعوا أننا لسنا بحاجة لذلك بما أنهم قد أدوا هذه المهمة بحرفية بالغة ولم يتركوا لنا مجالاً للتنافس معهم . إن حق أطفالنا في الحياة لا يقل عن حق اطفالهم في الحياة !
بقلم / سوزان عبد الله
مُدرسة في مدرسة خاصة
غزة – تل الهوا
|