الحملة الوطنية للتوثيق | الارشيف
عودة إلى : الارشيف    


بأي ذنب فقد عينيه؟

سلامة عودة
26-03-2009

عشية رحيل العام المنصرم عام 2008 ، وقد لملم أمتعته وهم بالمغادرة ، لم يدعه الاحتلال يغادر بأمتعة تقليدية ، بل آثر أن يودعه بحقد أعمى طال أهالي غزة الصامدين، ليسطر التاريخ بين دفتيه شتاء ساخنا وملتهبا، إذ تلبد سماء غزة بغلالة سوداء لطائرات طفقت تلقي بقذائفها المستعرة مستهدفة البشر والشجر والحجر، لم يقتصر ذلك جواً كانت البوارج الحربية تنفث سمومها من البحر اللافظ لها، تمهيدا لاشتباك بري  يأتي لاحقا.



لأول مرة يستمر القصف أياما متتالية دون هدنة إنسانية تتيح لطواقم الإسعاف القيام بإخلاء الشهداء والجرحى المثخنين بجراحهم، هادفين من ذلك ترك غزة أرضا محروقة بإبادة شعبها على بكرة أبيهم.

        فقد هاج البحر لهول الحدث واستعرت أمواجه، والتهب رمل الشاطئ  دفاعا عن غزة ضد هذا المتغطرس الغاشم، هاج الناس بشتى فئاتهم شيوخا وأطفالا ونساء باحثين عن ملاذ آمن يؤون إليه، إلا أن الآلة العسكرية لم تتورع عن استهدافهم في ملاذهم الآمن حيث باتت المدارس والمساجد والجامعات وفق القانون الدولي الإنساني أعيانا مدنية لا تمس عند ما  تقرع طبول الحرب، غير أن ظنهم قد أصبح سرابا بقيام طائرات الاحتلال بقصفها وتركها مدمرة وربما أئرا بعد عين .

    لقد أمسى الوقت من لهب ، والقصف يشتد أواره ، وطواقم الإسعاف والإغاثة  حائرة ما عساها تفعل ، وباتت في مرمى الصواريخ من الجو وقذائف الدبابات من البر لكنها واصلت عملها صامدة جاهزة لتقديم كل عون ومساعدة لهذا الشعب المظلوم والمكلوم، وقد صرح بذلك مسئولو الوكالة الدولية عندما تعرضت سيارتهم للقصف ، ودمرت سيارات الإسعاف أمام أعينهم  ، فقد هرعت سيارات الإسعاف لإخلاء الشهداء والجرحى غير آبهين بوابل القصف، فهم جنود مجهولون دفعهم الواجب لأداء مهمتهم السامية بيد أن الاحتلال كان لهم بالمرصاد فصب جام غضبه عليهم  موقعا في صفوفهم الشهداء والجرحى  وهذا يعد انتهاكا صارخا وسافرا للقانون الدولي الإنساني برمته .ٍ

      لكن عمل الطواقم لم يفتر  بل بقي في أوج نشاطه إذ بعد أسبوع  تمكنوا من الوصول إلى الجرحى، وتم إخلاؤهم إلى أحد المشافي القريبة ليتم  تضميد الجراح، ولدى معالجة المصابين ذهل الأطباء من حالة  نادرة تقشعر لها الإنسانية إنها حالة الطفل لؤي صبح الذي لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره وقد فقد عينيه جراء انفجار صواريخ من طائرات الاحتلال ، أدى هذا الانفجار وفق تشخيص الأطباء إلى ارتفاع شديد في ضغط العين ما أفضى إلى خروج جميع مكونات العين من شرايين وأوردة وسوائل .

    فبات أهل غزة يعزفون على وتر جديد من المعاناة إنها معاناة من فقد عينيه لتعود بنا الذاكرة مستحضرين ما حدث إبان انتفاضة الأقصى التي استشهد فيها البطل الشبل ابن الثانية عشرة من عمره محمد الدرة ، فقيثارته الحزينة ما زالت شعارا وهاجسا في أذهاننا، مرددين ما قاله الأب وهو ينظر بعيون تذرف الدموع  قائلا : مات الولد لينبري لها الكتاب والشعراء ناسجين أجمل المقالات وأعنف القصائد ، وها هي القرائح تجود مرة أخرى وهي تنسج عباءة شعر  ونثر في حادثة لؤي .

         فقد كان يلهو ويرتع ويلعب بلعبته متأملا عيونها وهي ترمقه إنها عيون اصطناعية ، فيقول في نفسه إنها تدافع عن وطنها لأنها تراه بعيون داخلية، ها هو الآن سيخضع برباطة جأش وشجاعة لعملية في الخارج لزرع عينين اصطناعيتين ليعود إلى غزة مناضلا بعيون قلبه الحقيقية، لكنه سيختلف عن دميته هذه المرة إذ قلبه وروحة معلقان بوطنه ودينه، فكثيرون فقدوا عيونهم جراء حدث عابر بيد أنه فقد عينيه في نضال ضد الاحتلال، وهو الآن صابر  متذكرا معنى الحديث القدسي على لسان خير البرية إذ يقول : يقول الله تعالى من أفقدته حبيبتيه ( عينيه )وصبر فله الجنة.

        سلامة عودة