سهير قاسم
26-03-2009
هي الحرب التي تدمّر طموح الأطفال، تتسبب لهم بالذّهول، تحلّق بعقولهم في سماء أخرى مختلفة عن واقعهم، لم تمض أيام قليلة على وقف الحرب الهمجية على غزة، ها هم الطلبة يعودون إلى المدارس التي أمضوا فيها أوقاتاً عصيبة من عمرهم، ربما بضعة أيام في ظل أسرهم وجيرانهم أثناء الحرب الظالمة عليهم. وطلبة الضفة هم كذلك يستعدون للعودة إلى مدارسهم، عليهم جميعاً أن يرجعوا إلى الكتب والمقررات الدراسية، لقصص التاريخ واللغة العربية والرياضيات، أما كتب العلوم فإنها تحدثهم عن التكنولوجيا الحديثة والمتطورة، تلك الحضارة المتطورة التي عاشوا أثرها عن قرب، تكنولوجيا ومعدات متطورة جرّبت عليهم، داست أجسادهم العارية، حولتهم لأشلاء. هؤلاء الأطفال في مهب الريح، كيف يمكنهم أن يميزوا ويفرقوا بين الغثّ والسمين في عالم غريب عجيب يقف بكل قوة إلى جانب الظلم والعدوان! ما ذنب هؤلاء الأطفال إلا أنهم فلسطينيون!
|
|
نتساءل وسط هذه الأجواء، هل تُهيّأ لهؤلاء الطلبة الظروف المدرسية المناسبة التي من شأنها مساعدهم في هذه المرحلة، على الأقل، لتجاوز تلك الليالي المريرة التي مروا بها؟ شتان ما بين الجانبين النظري والتطبيقي، كتبهم الدراسية تختلف عما شاهدوه، هي مليئة بالمثل والقيم، لكنها تغاير الواقع الذي يعيشون! هم الأطفال من طلبة فلسطين عامة وغزة تحديداً، لم يكن ذلك بجديد عليهم، لكنه قاسياً ومريعاً، انتهى الفصل الدراسي الأول، يعودون إلى مقاعدهم، تخلل ذلك فاصل وواقع أليم، ذاك الطفل رأى والده يقف باكياً عاجزاً عن مساعدته، لم يقو على مساعدة ذويه أو جيرانه، أين المفر، الأم باكية والجد باك وغيرهم الكثير! انهالت على رؤوسهم الصواريخ في كل أرجاء المكان، لا قدسية لشيء أو لأحد!
ماذا يقول المعلمون لهؤلاء الطلبة في ظل واقع أليم وصراع مرير؟ على عاتقهم المهام الجسام، التجرّد من رداء الحزبية ضرورة ملحّة عند دخولهم المدارس والغرف الصفية حفاظاً على الأطفال، وحماية لهذا المجتمع الذي يعاني ويلات التناقضات التي تهدده من كل صوب.
الطلبة يحتاجون إلى رعاية خاصة من جهات عديدة، فهم من ناموا قبل أيام قليلة على صوت القصف والدمار الذي شتتهم. على الجميع مدّ يد العون ليس على الصعيد المادي فحسب، هم بأمس الحاجة إلى الرعاية النفسية والتربوية التي افتقدوا إليها.إنه طالب اليوم لكنه بالأمس فقد أمه أو والده أو إخوة له كانوا يجلسون بجواره يعلمونه الحروف، اليوم ربما وحيداً لا أحد ينتظره في البيت ليعلمه الحروف، هو فاقد لأسرته الآن.
حال المعلم ليس بالأفضل، لكنه المسئول والمطالب بتقديم الكثير للأطفال والأجيال، وعلى المجتمع كذلك وجميع الجهات أن تقدم شيئاً وألا يقفوا متفرجين. عليهم أن يكونا مرشدين أولا قبل التعليم حتى يكسبوا الطلبة تعلماً نافعاً. يريد الطالب معرفة الكثير وحقيقة ما يدور حوله من تناقضات في الساحة، تلك التناقضات التي ربما تقوده نحو المجهول أو الصراع حتى مع ذاته.
الطالب في جناح الوطن الآخر "غزة" يحتاج إلى تفسيرات مقبولة، وإبعاده بكل الإمكانات المتاحة عن الحزبية الضيقة التي تودي بكل ما يتعلمونه في الكتب. هؤلاء الصغار يحتاجون لتكاتف الجهود كي يتقبلوا واقعهم الجديد، وليتمكنوا من العودة إلى كتبهم وتتولد لديهم قناعات أخرى مختلفة عن صوت المدافع والقصف وما شابه من أدوات الحرب والدمار التي استخدمها الاحتلال الإسرائيلي.
عزيزي المعلم والتربوي والمسئول، حالكم ليس بالأفضل لكن الجميع مطالب بتقديم نزر يسير للأجيال، على جميع الجهات أن تتحمل مسؤولياتها. الأطفال بحاجة لبثّ الثقة في نفوسهم، فلنجعلهم يشعرون بالطمأنينة قبل كل شيء، لا ننسى أو نتناسى أنهم عماد الحياة والمستقبل القادم، على عاتقهم أعباء كثيرة ومسؤوليات، فهل من منقذ لهم!
سهير قاسم
|