اعداد رفعت صباح
15-05-2009
"إن الفاقة الهائلة واللامساواة الفاحشة هما في عصرنا الحاضر –العصر الذي يفاخر فيه العالم بتقدمات مثيرة في العلوم والثقافة والصناعة – وتراكم الثروة – رهينتان الى حد وجوب تصنيفيهما جنبا الى جنب مع العبودية والفصل العنصري شرين اجتماعيين"
من اقوال نلسون مانديلا 2005
|
|
مقدمة
التربية والتنمية ، مفهومان مختلف على تعريفهما والربط بينهم ليس بالسهل . متشعبان ومتشابكان ومتناحران أحيانا . تطور فهمهما بتطور تاريخهما الممتد منذ الأزل . كتبت حولهما وأجريت دراسات وأبحاث متعددة ومتنوعة منها ما اتفق مع بعضه البعض ومنه ما افترق واختلف . ولكي نستطيع الإجابة على السؤال الأساسي في هذا الفصل وهو ماهية علاقة التربية بالتنمية علينا فككة المصطلحين والتعرف على تطور كل منهما ومن ثم الربط بينهما ومدى تأثير كل منهما على الأخر ومن هم اللاعبون الاساسيون بهما.وهل تستطيع التربية ان تؤثر في تنمية مستدامة تخفف حالة الفقر والجهل والعنف ؟كيف يمكن ان تكون التربية قادرة على تطوير ذاتها والتأثير في وسط اقتصاد عالمي متزايد الازدهار يموت فيه عشرة ملايين وسبعمائة ألف طفل كل عام قبل بلوغهم سن الخامسة ويعيش أكثر من مليار /بليون إنسان في فلقة مذلة بأقل من دولار واحد للفرد في اليوم وقد احدث وباء نقص المناعة الايدز أفدح ارتداد منفرد في تاريخ البشرية حيث أودى عام 2003 بحياة ملايين إنسان وخلق خمسة ملايين آخرين مصابين بالمرض كما يتم ً ملايين الأطفال.
خمس بني البشر يعيشون في بلدان يستهين الكثير فيها بإنفاق دولارين يوميا على فنجان قهوة فيما يبقى خمس آخر من البشر على قيد الحياة بأقل من دولارين واحد في اليوم ويعيشون في بلدان يموت الأطفال فيها بسبب العوز إلى ناموسية تقيهم من البعوض.(1)
ماهية التربية ،وظيفتها والغاية من وجودها
ظهرت التربية مع ظهور الإنسان على وجه الأرض، وشعوره بكيانه باعتباره فرداً في جماعة من الجماعات كالأسرة أو القبيلة وبدأت في وسط مليء بالكائنات الحية المختلفة، وكان لا بد له من الدخول في تنافس مع مختلف هذه الكائنات من اجل أن يحافظ على بناء حياته واستمرارها مستغلاً قواه الجسدية للتغلب على كل ما يواجهه من مشاكل، وقد أدرك انه متميز عن باقي المخلوقات الحية وانه متفوق عليها، وان عليه أن يستغل التميز والتفوق بعقله لتحسين ظروف حياته وكان أول شيء سخر له عقله وأفكاره هو القدرة على ملاحظة الظواهر الطبيعية المحيطة به للعمل على الإفادة منها في حياته، وبذلك بدأت تتكون لديه المعارف والمعلومات والخبرات المختلفة التي أخذت توفر له مع مرور الزمن كيفيات جديدة
ومن هذا المنطلق يمكن القول أن تفاعل الإنسان كان مستمرا مع بيئته التي أصبحت مدرسته الأولى، إذ كان يكتسب منها المعرفة ويتعلم مهامه ويمارسها وهذا التفاعل المستمر بينه وبين بيئته هو ما نسميه "التربية" التي هي الحياة نفسها.
وقد تطورت أساليب التربية وطرقها مع تطور الإنسان وأخذت أشكالا مختلفة من حيث أغراض أو عوامل أو وسائط المقصودة منها وغير المقصودة، من حيث استجابة الإنسان في أطواره المختلفة للعوامل المؤثرة فيه من حيث ما وجه من عناية واهتمام بجانب معين من جوانب حياته أكثر من غيره.
حتى عام 1646 لم يكن يفهم من التربية سوى الدلالة على تكوين الجسد والنفس، وكانت تعتبر هي والتعليم شيئا واحدا، فهي – حسب ذلك المفهوم- العناية التي نقدمها لتعليم الأطفال سواء فيما يتصل رياضة النفس أو رياضة الجسد
للتربية تعريفات متعددة فيوحنا هريدت الألماني 1776-1834 يقول أن الغاية من التربية هي الأخلاق، والوصول إلى الفضيلة، أما الطريق إليها فيكون بالتعليم والتوجيه والنظام (3) فيما عرف جان جاك روسو التربية (1712-1778) في كتابه "إميل" على أن التربية عمليه ذاتيه نابعة من طبيعة الطفل، أن يكتشف الحقائق بنفسه. أما جون ستيوارت مل (4) فيقول أن غاية التربية هي إيصال الإنسان إلى كماله الإنساني الذي وضع في طبيعته كإنسان، فيما أكد جون ديوي 1859 -1952 أن التربية هي مجموعة العمليات التي يمر بها الإنسان والذي يستطيع من خلالها المجتمع أن ينقل معارفه وأهدافه المكتسبة ليحافظ على بقائه، وتعني في نفس الوقت التجدد المستمر لهذا التراث ،فالنسبة إليه فان التربية هي عملية نمو وليس لها غاية إلا المزيد من النمو، أنها الحياة نفسها بنموها وتجددها.5
لقد نظر أفلاطون (427-347) ق م إلى المجتمع كوحدة لكل فرد فيه قيمة، وتربية أبناء المجتمع يجب أن تبنى على قابليات كل منهم وإنماء هذه القابليات حتى الكمال(6) أما أرسطو (384- 322) ق م فالرجل الثاني في نظره هو الرجل الحر، وحتى يكون الإنسان مواطنا حراً يجب أن يؤمن له شرطان: سياسي واقتصادي أما من الناحية السياسية فيجب أن يربى على حمل السلاح والانتخاب، وممارسة حقوقه المدنية وإشغال وظائف الدولة. أما من الناحية الاقتصادية فانه يجب أن يكون متحررا من العمل اليدوي الذي يجب أن يقوم به العبد والتربية الحرة هي التي تستطيع أن توفر له وللمجتمع هذين الشرطين، وهنا نضيف فوق كل شيء إنماء عقله وقلبه.
أما مفهوم التربية وأهدافها عند السفسطائية والرومانيين فيختلف في التفصيل عما كان عليه عند الفلاسفة، ولكنه يحافظ على المظهر الأساسي الذي اتصفت به الحياة اليونانية في أثينا وهو مظهر احترام الفرد المواطن وإعداده لذاته إضافة إلى إعداد لمجتمعه، يظهر هذا المفهوم السفسطائي أبو قراط 426- 338 ق م الذي يحدد في تعريفه للإنسان المتعلم شروطا أربعة هي القدرة على مجابهة أمور الحياة اليومية والسلوك الصحيح والسليم في كل المجتمعات والسيطرة على الذات والاعتدال والتواضع في مواقف الحياة المختلفة.(7)
اما فيما يتعلق الحضارة المسيحية هناك ثلاثة اتجاهات رئيسية فيما يتعلق بالتربية:
الأول:- أهداف التربية هي السحر بالروح عن طريق المعرفة الدينية ونشر العقيدة الكاثوليكية بين الناس والرياضة الروحية وعمل الخير وتعلم المسيحية كما هي.
الثاني:- فهو الاتجاه الاكويني (1225-1274م) حيث يقول أن هذه التربية كهدف في الحياة نفسها هو الوصول إلى السعادة عن طريق إنماء الفضائل والأخلاق والعقلية والمعرفة.
الثالث:- فهو الذي يظهر في البروتستانتية حيث أصبح هدف التربية اقرب إلى التأكيد على الفضائل الدنيوية بالإضافة إلى الفضائل الدينية واقرب إلى التأثير بالتربية الإنسانية.
اعتمدت التربية في العصور القديمة والوسطى وحتى مطلع العصور الحديثة على الحفظ والتلقين وعلى التقليد والمحاكاة من قبل التلاميذ، فهكذا كان حال التربية عند الشعوب البدائية قائمة على التقليد والمحاكاة، تقليد الصغار للكبار في أنشطتهم وفعالياتهم في العادات والتقاليد ثم المشاركة الجزئية حتى يتم تعليمهم واكتسابهم للمهارات المختلفة، أما في الحضارات القديمة البابلية والهندية والصينية والرومانية، فقد كانت قائمة على تلقين المعلومات من قبل المعلمين والحفظ غيبا من قبل التلاميذ وكلما أسرع التلميذ في إعادة المعلومة عن ظهر قلب كلما كان ذلك دليلا على حفظة وإتقانه للمعلومات.
أما المسلمون فقد اتبعوا الطرق نفسها التي كانت سائدة في أيامهم والتي تعتمد على الحفظ والتلقين ولا سيما في تعلم القرآن الكريم.
لا شك أن تعريف جون استيوارت مل(8) مفيدا لنا فهو من حيث أنه يتطرق إلى شخصية الإنسان ككل والى ملكات الإنسان بشكل عام، فهو اشمل من تعريف أفلاطون الذي يركز على النواحي العاطفية والأخلاقية من حياة الإنسان حيث يقول " إن كل ما يسهم في تكوين الإنسان هو جزء من تربيته"، يسعى لكي يكون منتصرا على الوصف متجاهلا إمكانية إصدار الحكم المعياري حول ما إذا كان تكوين الإنسان قد سار باتجاه كمال طبيعتنا أو بالاتجاه المعاكس، ولكن يبقى تعريف مل فضفاض وقد يظن الإنسان أن هذا الأمر لسببين :
الأول : أن مفهوم التربية نفسه فضفاض
الثاني : أننا لا نريد أن نتعامل بمفهوم ضعيف للتربية،
يمكننا أن نتفهم السبب الثاني كثيرا، خصوصا عندما نتذكر أن الحدود الفاصلة بين البيئة والمدرسة والكنيسة أو الجامع والنادي والمكتبة ووسائل الترفيه ليست دائما واضحة المعالم، وكلها ذات اثر في تكوين شخصية الإنسان وتطوير الملكات المختلفة لديه.
هناك جانب مهم من جوانب التربية ألا وهو الجانب المتعلق بالتوصيل والمقصود بهذا أن التربية هي عملية يجري من خلالها نقل شيء أو أشياء من مصدر أو مصادر معينة إلى طرف أو أطراف متلقية.
وهذا الجانب يجد تعبيرا عنه لدى هاري شوفيلد الذي يعرف التربية "هي عملية ذات مضمون ومنهج أما المضمون مفهوم المعرفة وكل ما هو ذو قيمة" في حين أن المنهج يجب أن يتيح للمتعلم أن يدرك"يفهم" ما يتعلمه"9)وبهذا التعريف نحن نعود قليلا لأفلاطون ذلك أن القول بان التربية تتنافى مع الأسلوب الذي يقوم على حشو المعلومات في رؤوس المتعلمين( دون استيعاب حقيقي من طرفهم لها) أو غيره من الأساليب المستنكرة مثل أسلوب غسل الدماغ.
ولكن في هذا التعريف ثغرة يصعب إغلاقها إغلاقا محكما وهي تتعلق بمسألة الجهات أو المصادر ذات الصفة التربوية، فالتعريف لا يقول لنا من هم التربويين الذين يعملون على توصيل ما هو مهم إلى أذهان الناشئة أو المتلقين للرسالة التربوية عموما، من الواضح أن المدرسة أو المؤسسة التعليمية بأنواعها هي إحدى أهم هذه الجهات، ولكنها ليست الجهة الوحيدة، فهناك الأسرة(البيت) والمؤسسة الدينية (دور العبادة) هي في نفس الوقت محطات تربوية) وهناك مرجع تربوي آخر، ليس دائما واضح المعالم إلى نفس الدرجة، يظهر أحيانا من خلال المؤسسات السياسية ذات الدور المركزي في المجتمع(أحزاب، برلمان، مجلس الشيوخ، محكمة عليا،.. الخ) ويظهر أحيانا من خلال الدور الذي يلعبه شخصا بارزا أو أشخاص ذو اعتبار خاص (نبي مثلا أو قائد سياسي، أو عشائري بارز أو نخبة سياسية هامة) لنسم هذا المصدر الهام الذي يصعب تحديده بدقة أكثر (النظام السياسي)سواء كان يقوم على أكتاف عدد قليل من الشخصيات التقليدية أو البارزة كما هي الحال في البلدان النامية أو كان يقوم على أساس مؤسسي راسخ، كما هي الحال في بعض البلدان المنفتحة. فلا شك أن لهذه الجهات المختلفة من زعماء بارزين ومؤسسات سياسية دورا تربويا بالمعنى الراسخ للكلمة، أما من خلال المثل الذي تضربه خصوصا في الظروف الصعبة أو من خلال الدور القيادي والتوجيهي الذي تضطلع به في الظروف الاعتيادية.
ليس من السهل رؤية القاسم المشترك بين هذه الجهات التربوية المختلفة التي ذكرناها، ما عدا كونها تتمتع بنوع من السلطة وفي هذا ما قد يبدو متناقصا مع القول أن التربية تتطلب بخاصة العقل لدى المتعلم، وان فيها جانبا أو اداركياً يميزها عن عملية غسل الدماغ (مثلا) أو اجترار المعلومات دون استيعاب حقيقي، ولكن يوجد هناك دائما وفي جميع الأحوال تناقض بين السلطة والعمل.
ذلك أن السلطة ليست شيئا واحدا. فقد تكون نابعة من جوانب غير عقلانية (دون أن يعني هذا أنها منافية للعقل) مثل الحب أو الإعجاب أو الخوف، وقد تنبع من العقل والمنطق حيث الالتزام بأمرها الشخص المنطقي العاقل بغض النظر عن أن أية عواطف مصاحبة، وعبارة سلطة العقل ليست بالضرورة عبارة متناقضة، وعليه ربما كان بوسعنا أن نقول أن مخاطبة العقل هي المطلب الأسمى للتربية أو ما ينبغي أن تسعى إليه في الأحوال المثالية، ولكن كثيرا ما تصطحب إلى غرفة الدرس رفقاء إضافيين (ترغيب، ترهيب مثلاً) خاصة في الظروف التي تكون لا تكون القدرة على الفهم قد تطورت إلى درجة كافية كما هي الحال في المراحل الأولى من العمر مثلا) وأيضا عندما يكون المربون أنفسهم ليسوا على درجة عالية من العقل والمنطق.
ما هيا الوظيفة التي تؤديها التربية؟
يولد الإنسان وهو لا يتكلم لغة معينة ولا يدين بدين معين وليس في ذهنه أية مفاهيم معينة أو قيم من أي نوع كان، وبعد فترة من التنشئة الاجتماعية تجده على صورة محددة من جميع النواحي تقريباً.
لا شك أن لدى الإنسان استعدادات من أنواع مختلفة، ولكن هذه الاستعدادات يمكن أن تتحقق على صور مختلفة جدا اعتمادا على الظروف الاجتماعية التي يجد الإنسان نفسه فيها. لنقل أن الإنسان يولد ولديه الاستعداد اللغوي ولكن إذا ولد في ألمانيا فان الاستعداد يتبلور على شكل اللغة الألمانية ، وليس على شكل آخر( على الأغلب طبعا فالكل يعرف الاستثناءات وظروفها) ويولد الإنسان بالاستعداد للحياة الاجتماعية (اللعب مع أناس آخرين) ولكن هذا الاستعداد قد يتبلور على نسق الحياة في مجتمع بدوي ريفي أو مدني أو ثيوقراطي أو علماني أو غير ذلك.
من الثابت والواضح في نفس الوقت إن كل مجتمع يسعى جاهدا لإعادة "خلق النفس" في كل عضو جديد ينضم إليه، وليس هناك من اسم أفضل لتلك العملية المؤدية إلى هذه الغاية من " التربية" بالطبع هناك اختلافات كبيرة بين المجتمعات فيما يتعلق بالصورة التي ترسمها عن نفسها وعن العالم المحيط بها مما يؤدي إلى فروقات في مضمون التربية في المجتمعات المختلفة ولكن مع ذلك هناك تعميم يصدق على كافة المجتمعات المختلفة وهو أن المضمون التربوي يتكون أساساً من معارف وقيم.
المقصود بالمعارف هو مجموع المفاهيم و المعتقدات التي يحاول الناس من خلالها فهم أنفسهم والعالم المحيط بهم، وتشتمل على النظريات العلمية والمعتقدات الدينية والفلسفية وما يدعى أحيانا ب" الحس السليم" ولا ضير في إدراج مهارات من أنواع مختلفة مثلا المهارات اللغوية والمهنية وغيرها ضمن إطار ما نسميه بالمعارف طالما أنها أمور يمكن إدراكها وفهمها(تعلمها) دون أن يكون هناك ضرورة للمشاركة العاطفية من قبل التلميذ" (موضوع العلمية التربوية)
أما القيم فلا يمكن الحديث عنها بمعزل عن البعد العاطفي وما هو مرغوب فيه أو مكروه. فهي كما عرفها حليم بركات:
"إن المعتقدات حول الأمور والغايات وأشكال السلوك المفضلة لدى الناس، توجه مشاعرهم وتفكيرهم ومواقفهم وتصرفاتهم وخياراتهم، وتنظم علاقاتهم بالواقع وبالمؤسسات والآخرين أنفسهم والمكان والزمان، وتسوغ مواقفهم وتحدد هوياتهم ومعنى وجودهم"(10)
وإذا ما استذكرنا تعريف أفلاطون للتربية على أنها ذلك التدريب الذي يقودك إلى كراهية الأشياء التي ينبغي عليك أن تكره والى محبة الأشياء التي عليك أن تحبها، نستنتج أن التربية لأفلاطون تكاد تقتصر على عملية غرس القيم في نفوس المتعلمين.
تنطوي التربية إذا على إيصال معارف وقيم مختلفة إلى أعضاء المجتمع الجديد ومن خلالها لا يتعلم هؤلاء القراءة أو الكتابة أو الجمع أو القسمة فحسب، بل أيضا ما الذي يعنيه أن يكون الإنسان أبا أو أما أو جارا أو قريبا. كما أنهم يكونون أفكارا وتصورات عن الماضي والحاضر والمستقبل كما هو واقع وما هو ممكن وعما هو تافه وما هو في غاية الأهمية، وهم باختصار يتعلمون ثقافة المجتمع ويشاركون فيها وبعد ذلك ينقلوها إلى أبنائهم.
وعليه تكون التربية هي الوسيلة التي يستخدمها المجتمع من اجل أن يستمر في الوجود وهو مستمر في الوجود وليس فقط كنسق من العادات المشتركة أو كنظام من الاعتماد المتبادل من الأفراد وإنما أيضا كنظام سياسي. إن التربية عندما تزود الفرد بمعارف وقيم فإنها في الحقيقة تهيئ الفرد للاندماج في هذا النظام السياسي.
تشتمل القيم الدينية على معتقدات وأفكار مثل فكرة أن الحقيقة المطلقة موجودة لدينا ومعروفة سلفاً وان العقل يلعب (دوراً) محدودا في التوصل إليها، أما المعتقدات الأساسية في جميع الأديان أو اغلبها، كما يعرف الجميع لم تكن ثمرة جهد وكد عقلاني بذله الإنسان، بل كانت نعمة وتفضلا من الله الذي اقتضت مشيئته أن يكشف للإنسان عن سبيل الهداية. لكن إذا كانت الحقائق الأساسية المطلقة موجودة لدينا ومعروفة مسبقا فلن يعود هناك مبررا للكثير من البحث أو التفكير الجذري في المسائل المهمة، وإذا اشتغل الإنسان عقله فانه سوف يكون مقتصرا على تعبئة الفراغات والتعرف على التفاصيل أما الأمور الكبرى مثل أصل الإنسان ومعنى الوجود وقيم العيش ومصادرة الشرعية. وأساس المعارف فهي أمور قال فيها الشرع قولته، ولم تعد مسألة قابلة للنقاش وبما أننا لم نعرفها عن طريق العقل فان تعلمها وتعليمها ومجابهة المعترضين عليها إذا وجدوا سوف تتم بأساليب أخرى مثل الترغيب والترهيب.
فمجرد اعتقادنا بان الحقيقة المطلقة ملكنا دون سوانا فإننا نقوم بتقسيم الناس إلى فريقين أناس مهتدين وأناس ضالين ومن السهل أن يتحول هذا التبرير للتفرقة السياسية والأخلاقية وغيرها بحيث يتنافى تماما مع فكرة أن الناس سواسية في الأساس وان لا فريق منهم يتمتع بتفوق أخلاقي أو فكري.
وعليه ليس مستغربا أن تكون التربية العربية بمجملها خاضعة لقيود سياسية أو دينية تهدف إلى الإبقاء على الوضع القائم والتأكد من القيم والتوقعات التي يتم إيصالها إلى العقول الجديدة لا تتنافى مع الواقع الذي يراد له أن يستمر، ولذا لا يتوانى الكثيرون من المفكرين والمربيين العرب عن توجيه الانتقاد لهذه القيود والدعوة لتحرير التربية منها.
يقول هشام شرابي (11) أن مفتاح التغير الاجتماعي يكمن في وضع حد لهذا الإرهاب الذي يمارسه الجميع على أطفاله بواسطة الآباء والأمهات بمعنى آخر أن لم يتمكن جيلنا من أن يضمن لأبناء الجيل الطالع مقررا كافيا من الحرية والاستقلال ليتعلموا كيف يديرون أمورهم بأنفسهم دون ضغط أو إلزام وكيف يتحملون مسؤولية إعمالهم ويجابهون مشكلاتهم دون تخو ف أو تعب فأننا لن نستطيع أن نغير في المجتمع سوى مظاهرة الخارجية.
ماهية التنمية، عناصرها والعوامل المؤثرة بها
ما يزال الحديث عن التنمية الإنسانية يسير بمفهومه الضيق أحيانا ببعده التقليدي والذي يقصد منه التنمية الاقتصادية يقابله المفهوم الواسع الذي يستند إلى فكرة التنمية الإنسانية ببعدها الشامل . تعد الحرية كفكرة جوهرية ومركزية في عملية التنمية الإنسانية خصوصا اذا اعتبرنا التنمية الإنسانية هي عملية توسيع خيارات الناس كما يقول محمد بوبوش الباحث في العلاقات الدولية في جامعة محمد الخامس في الرباط(12)(.وبهذا المعنى للناس ولكونهم بشرا حق أصيل في العيش بكرامة على المستوى المادي والمعنوي وكذالك جسديا وروحيا . فالتنمية لا تعني مجرد تنمية الموارد البشرية ولا حتى تنمية بشرية وحسب ، أي تلبية الحاجات الأساسية. لكنها تنمية إنسانية شاملة في البشر والمؤسسات المجتمعية لتحيق العدالة والكرامة الإنسانية .
المفهوم الإنساني الواسع للتنمية يضيف الى الحريات المدنية والسياسية( بمعنى التحرر من القهر ومن جميع إشكال الحط من الكرامة الإنسانية مثل الجوع والمرض والفقر والخوف )الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية . وادخل في هذا الصدد معايير جديدة لقياس معدلات التنمية لا تقتصر على مستوى الدخل الفردي، وإنما تراعي الجوانب الاجتماعية الأخرى مثل معدل الوفيات والأمل في الحياة، فضلا عن مدى توافر الخدمات الأخرى
وركزت تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP منذ العام 1990على مفهوم نوعية الحياة وعلى محورية البشر في التنمية وزيادة قدراتهم على الاختيار وتمكينهم من ممارسة هذه الخيارات وتفجير طاقاتهم الإبداعية، وتمكينهم من المشاركة في أمور حياتهم، وأصبح النمو الاقتصادي ليس غاية بحد ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق التنمية، ومن واجب الحكم الصالح ان يتأكد من تحقيق المؤشرات النوعية، لتحسين حياة السكان وهذه المؤشرات تتعدى الجوانب المادية ليندرج فيها العلم والصحة والثقافة والكرامة الإنسانية والمشاركة، ويحرص برنامج الامم المتحدة الإنمائي على نشر ما أطلق عليه مؤشر التنمية البشرية سنويا للتعبير عن هذه الأمور. واما الجانب الثاني الذي عني به مفهوم التنمية البشرية فهو ضرورة تواصل أو اطراد التنمية بين الاجيال.
لا يمكن اذا الجزم بعلاقة شرطية مطلقة بين التنمية والحرية، ولكن انعدام أو ندرة الاخيرة سيؤدي إلى تقليص حجم التنمية ويؤثر مستقبلا على استمرارها، ان لم يكن تراجعها وهو ما بينته التجربة التاريخية فقضايا التنمية لا يمكن عزلها عن فكرة الحرية. فالدعوة إلى الحرية واحترام حقوق الإنسان ليس ترفا تتمتع به الدول المتقدمة، في حين انه ينبغي على الدول النامية ان تؤجل البحث فيه الى حين وضع أسس التقدم الاقتصادي، كما لو كان هناك تعارض أو تناقض بين التنمية والديمقراطية. يمكن القول ان مؤشرات التنمية الإنسانية المستدامة تتلخص في توسيع قدرات الناس وخياراتهم والتعاون بتحقيق التنمية وعدالة التوزيع والاستدامة، أي التواصل في العيش الكريم والامان الشخصي دون خوف أو تهديد، ويذهب تقرير التنمية الانسانية العربية لعام 2000 إلى إضافة الحرية والحق في اكتساب المعرفة والشفافية وتمكين المرأة باعتبارها مؤشرات نوعية لا تتحقق إلا بوجود نظام إدارة حاشدة يضع السياسات ويسعى لتطبيقها وقد كشف تقرير التنمية الانسانية العربية لعام 2004 عن النقص الفادح في الحريات وبخاصة السياسية والمدنية ونقص المعرفة والثقافة والنظرة غير المتوازنة الى حقوق المرأة ومساواتها بالرجل .
والحقيقة ان مواجهة قضايا التنمية تتطلب الاعتراف للفرد بحقوقه وتمكينه من المشاركة الجادة والفعالة في امور حياته.
إن أهم متطلبات التنمية في مجتمع معين هو تطوير قدرات أفراده وتنميتها وتوفير الدوافع التي تحملهم على تقديم الجهد اللازم والضروري من اجل تحقيق أهداف التنمية المجتمعية وبمعنى آخر فان التنمية البشرية تضع لذلك قاعدة أساسية لكل تنمية مستهدفة.(13)
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية عرف مفهوم التنمية تطورا كبيرا ويعتبر مفهوم التنمية البشرية المتواصلة والمستديمة الأكثر قبولا ألان فلم يعد الأمر مقصورا على تحقيق معدل مقبول للدخل الفردي كما لم يعد معدل النمو الاقتصادي كافيا للحديث عن تحقيق التنمية ويرتبط ذالك بأمرين الأمر الأول هو ان التنمية الاقتصادية وان كانت سياسية غير كافية للحديث عن تحقيق تنمية حقيقة بل لا بد من إدخال عناصر أخرى تشمل الجوانب الاجتماعية والثقافية . حيث اتسع الأمر الى قضايا التوزيع وحماية المهمشين . ونضيف الى ذالك برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد عمد منذ بداية التسعينيات إلى إصدار تقرير سنوي عن التنمية البشرية المستدامة
إن تنمية القدرات البشرية وتطويرها يتطلب كأساس المحافظة على القدرات البدنية والعقلية والنفسية للإنسان أي توفير السلامة والصحة لا مجرد غياب المرض، وهو أمر يتطلب لإدراكه إمكانية إشباع حاجات الإنسان من الغطاء الصحي المناسب بتوفير الكساء اللازم والضروري والمسكن الصحي الملائم فضلا عن سلامة البيئة التي يعيش بها الإنسان وخلوها من التلوث والعدوى وتوفير العلاج المناسب عند الحاجة، كما تتطلب التنمية البشرية أيضا إكساب الأفراد المجتمع المعرفة والمعلومات والمهارات التي تمكنهم من حسن استخدام الموارد الطبيعية والمادية التي في حوزتهم لتحقيق أهدافهم، أي للوفاء بحاجاتهم المادية والروحية المتنامية، وتتسع حدود المعرفة والمعلومات والمهارات التي تحتاج إليها العناصر البشرية وتتعرض للتغير والإضافة كنتيجة لتطور المجتمع وتقدم العلوم والثقافة وإتاحة الفرصة للتعلم المستمر والدائم تصبح لذلك ضرورية لتحقيق تنمية بشرية مناسبة.(14)
.
أعيد في العقدين الآخرين تشكيل المساعدات الغربية التمويلية مع التغيرات العريضة التي طرأت على النظام العالمي مع نهاية الحرب البادرة، وارتبطت صناعة التنمية تاريخيا بعملية إعادة البناء ما بعد الحرب العالمية الثانية وبداية النظام العالمي الجديد حيث أمسكت الولايات المتحدة بزمام الأمور وبينما كانت الأمم المتحدة تقدم الدعم للجهود الأوروبية من اجل إعادة البناء جرى في أروقتها تداول حول مصير العالم غير الصناعي(15). أن الإيمان بالتحديث باعتباره صيرورة مستمرة خطيه وكان هناك حاجة لتراكم رأس المال من اجل تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العالم الثالث، قد زاد بأشكال غربية من المساعدة التنموية إلى العالم الثالث وتأسيس البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووكالات الأمم المتحدة الفنية(Escoe1997:86) وظلت التنمية في ظل ألتكالب على أسواق جديدة ومنافسة الهرولة باتجاه مرحلة الحرب الباردة مفهومة باعتبارها مسؤولية الدولة واتسمت مفاهيم التنمية ومكوناتها بالانبهار بالمذاهب باعتبارها الحداثاوية المقترحة بشكل مطلق بالعلم والتكنولوجيا باعتبارهما ضروريين لخدمة التقدم.
وظهرت أيضا إعدادا كبيرة من المنظمات الدولية غير الحكومية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فمؤسسات مثل اوكسفام وأطباء بلا حدود، وهي منظمات غير حكومية غير ربحية، نمت بشكل كبير تحت راية ايدولوجيا إنسانية في الوقت الذي اندمجت به الأمم المتحدة من الاستعمار في النظام القائم ما بين الدول والاقتصاد الدولي (Bolind Thomas,1999:30) وقدمت المنظمات الغير حكومية بمرور الوقت دورا اكبر في مجال التنمية الدولية.
وطبقا لبيكارت فان المنظمات الأمريكية والأوروبية دخلت في تعاون رسمي للتنمية من منطلقات متباينة، فيما كانت المنظمات غير الحكومية الأوروبية خلال السبعينات أكثر انغماسا في السياسة، وأكثر تركيزا على التنمية طويلة المدى وتغير اجتماعي فان المنظمات غير الحكومية الأمريكية كانت أكثر تركيزا على الغوث والمساعدات الإنسانية (Biekart1999:72).
وقد زامن صناعة الحرب الباردة مع تغيرات اقتصادية وسياسية واسعة افتتحت حقبة جديدة من النظام الدولي وقد اشتملت هذه الحقبة بإعادة تشكيل المساعدات العربية للتنمية. ويمكن ملاحظة تغيرين أساسيين في هذا الصدد إعادة إنشاء قنوات المعونة وتوسيع مدى وظيفتها وصعود شركاء جدد في التنمية وسياسة أوليات جديدة.
بالنسبة لفيليب كاترين(16)، ترتبط المؤسسات السياسية وتطورها بالنظام التعليمي والنمو الاقتصادي ونظام الاتصال والمواصلات ودرجة التمدن وتوزيع القوى العاملة، ويستطيع النظام الاقتصادي لأمة معنية أن يتطور فقط في حالة استمرارية تطور نطاقها التعليمي وتمركز سكانها في المدن ووجود شبكة متطورة من الاتصال والمواصلات، ويركز فيليب كاترين على أهمية نظام الاتصال والمواصلات للتحول السياسي. إن الدرجة التي تصل إليها امة معينة في مجال التطور الاتصالي هو بحد ذاته مرتبط بالمستوى القومي لتطور التعليم والتمدن والقوى العاملة وقوتها في العمل الزراعي والتنمية الاقتصادية. ولإبراز العلاقة الايجابية بين التنمية الاقتصادية والسياسية يلجأ مختصوا الحداثة أما إلى اعتبار العامل الاقتصادي والاجتماعي كعامل يشكل عناصر عدة مثل التقنية والتعليم والاتصال وغيره وأما إلى إدخال متغيرات مبسطة أخرى مثل مستوى التعليم.
ويشكل مستوى عال من التعليم احد الشروط الضرورية لتطور الديمقراطية لان التعلم إذا لم يجعل الإفراد مواطنين جيدين فان على الأقل يسهل عملية تحولهم إلى ذلك.
يعتقد صموئيل هنتغون إن ثقافة سياسية تقيم علاقة هرمية ووقارا مفرطا للسلطة يفترض أنها لا تمثل أرضية ملائمة للديمقراطية وبالعكس فان ثقافة تتميز بدرجة عالية من الثقة التبادلية بين أفراده تمثل أرضية ملائمة للديمقراطية أكثر من ثقافة شك دائم وعداء وعدم ثقة. فالرغبة في التسامح مع الاختلاف والصراع بين المجموعات وفي الاعتراف بشرعية التوفيق بين المواقف المتناقضة تساعد في تطور الديمقراطية.
الديمقراطية ضرورة ملحة للتنمية ، ففشل التنمية كان راجعا بالدرجة الأولى إلى فساد النظم السياسية السائدة وانه لا يوجد أمل حقيقي في أي تنمية مستديمة ما لم تحدث تغيرات في أساليب الحكم ، لقد أصبحت المنظمات الدولية الاقتصادية تمارس ضغوطا على الدول بواسطة القروض المشروطة والاستشارات من اجل أن تكون أكثر اندماجية تستجيب لمتطلبات هذه المنظمات في المجال الحقوقي والسياسي حيث أصبحت تتضمن في دساتيرها احترام المعاهدات الدولية كما هي متعارف عليها عالميا وحرية التعبير والديمقراطية والتعددية الحزبية .اي محاولة تعميم النهج الديمقراطي الليبرالي على المستوى السياسي . وقدد حدد البنك الدولي معايرين للدول التي يفترض ان تستفيد من خدماته الاول حكم القانون والمساواة وحق المشاركة والفرص المتساوية والثاني التمثيل والمشاركة والتنافسية والشفافية والمسائلة .
الاهتمام الدولي بالتعليم
لقد كان الهدف الخاص بتحقيق التعليم الابتدائي(UPF) مدرجا على جدول العمال الدولي منذ أن أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948 أن التعليم الابتدائي يجب أن يكون مجانياً وإلزامياً لجميع الأطفال وقد تكرر النص على هذا الهدف عدة مرات في المعاهدات الدولية والإعلانات الصادرة عن مؤتمرات الأمم المتحدة بشأن الألفية على الالتزام بتحقيق هدف التعليم للجميع بحلول عام 2015 دون إشارة محددة إلى نوعيته.(17)
بيد أن بعض الوثائق الهامة الأخرى أكدت على أهمية الجودة فقد ألزم الهدف 2 من إطار عمل دكار الدول بتوفير تعليم ابتدائي ذي نوعية جيدة وتضمن الهدف 6 التزمت بتحسين جميع جوانب نوعية التعليم بحيث يحصل كل فرد على حصيلة تعليمية معترفا بها وقابلة للقياس وخاصة في مجالات إجادة القراءة والكتابة والحساب والمهارات الأساسية للحياة.
ويجري بناء توافق جديد في الرأي وقوة دفع جديدة حول الهدف الإلزامي المتمثل في تحسين نوعية التعليم. والواقع أن مدى جودة تعليم الطلبة وكمية المعارف التي يتعلمونها يكون لها في الغالب تأثيرها على طول وقيمة الخبرة الخاصة بتعلمهم المدرسي. الجودة يمكن أن تؤثر على خيارات الآباء المتعلقة بالاستثمار في تعلم أبنائهم. كما أن مجموعة المزايا التعليمية والاجتماعية المرتبطة بالتعلم ابتداء من توفير حماية أفضل ضد الأمراض إلى الحصول على دخل شخصي أعلى، تتوقف إلى حد بعيد على مدى جودة التعليم والتعلم.
أجريت بحوث موسعة في كثير من البيانات على مدى الأربعين عاما الماضية عن كيفية تحسين تأثير التعليم على عملية التنمية وما هية العوامل المؤثرة في تحسين نوعية التعليم. وقد جاءت النتيجة قاطعة الدلالة على الروابط التي توجد بين التعليم الجيد وبين مجموعة كبيرة من مزايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية فقد تبين أن النتائج المدرسية الأفضل ترتبط ارتباطا وثيقا بالحصول على دخل اكبر في المرحلة التالية من الحياة.
كما أثبتت البحوث التجريبية أيضا أن التعليم المدرسي الرفيع المستوى يؤدي إلى تحسين الإمكانات الاقتصادية الوطنية.
في عام 1990اشار الإعلان العالمي بشأن التعليم للجميع إلى أن النوعية الرديئة للتعليم عموما تحتاج إلى تحسين وأوصى بان يصبح التعليم متاحا للجميع على الصعيد العالمي وبأن يصبح أكثر ملائمة.(18) وقرر الإعلان العالمي أيضا أن الجودة تمثل شرطا أساسيا لتحقيق الهدف الأساسي الخاص بالإنصاف ولئن كانت فكرة الجودة لن يتم تطويرها بصورة كاملة إلا انه تم الاعتراف بان توسيع نطاق الالتحاق بالتعليم وحده لن يكون كافيا لكي يسهم التعليم بصورة كافية في تنمية الفرد والمجتمع وبناء على ذلك تم التركيز على تحقيق زيادة في التنمية المعرفية للأطفال عن طريق تحسين نوعية تعليمهم.
وفي هذا الصدد يمكن القول أن الجوانب الكمية للتعليم قد أصبحت تشكل بؤرة الاهتمام الرئيسية خلال السنوات الأخيرة بالنسبة لصانعي السياسات لذلك ينبغي ألا نجد أي مفاجأة في احدث إعلانيين صدرا عن المؤتمرات الدولية للأمم المتحدة التي تركز على موضوع التعليم قد أعطيا قدرا من الأهمية لبعد الجودة الخاص به (الإطار 1،2) وقد اعترف كل من إعلان جوبتين في 1990 وعلى الأخص إعلان دكار 2000 بان جودة التعليم تشكل عاملا أول حاسما في تحديد ما إذا كان هدف التعليم للجميع قد تحقق. وقد التزم الهدف الثاني من الأهداف الستة التي ورد بيانها في عمل دكار الدول بصورة أكثر تحديدا مما ورد في الالتزامات السابقة بتوفير تعليم ابتدائي جيد النوعية وفضلا عن ذلك فان الهدف السادس يشمل على التزامات بتحسين جميع جوانب نوعية التعليم بحيث يستطيع كل شخص أن يحقق نتائج تعليمية أفضل خاصة فيما يتعلق بمعرفة القراءة والكتابة والحساب والمهارات الحياتية الأساسية.
علاقة التربية بالتنمية
للتربية دور رئيسي وهام في حياة الشعوب، وقد برزت أهمية التربية وقيمتها في تطوير الشعوب وتنميتها الاجتماعية والاقتصادية في زيادة قدرتها الذاتية على مواجهة التحديات وتبدو أهميتها في:
1. أصبحت التربية إستراتيجية قومية كبرى لكل شعوب العالم وأصبحت لا تقل أهمية وأولوية عن أولوية الدفاع والأمن القومي ذلك أن في رقي الشعوب وتقدمها تعتمد على نوعية الإفراد وليس عددهم.
2. أنها تشكل عامل مهم في التنمية الاقتصادية للشعوب فالعنصر البشري أهم ما تمتلكه أي دولة، وقد تأكد الدور الذي تقوم به التربية من الناحية الاقتصادية على أنها استثمار قوي للموارد البشرية، وللتربية دور هام في تنشيط المؤسسات الصناعية والإنتاجية من خلال تطوير المعرفة وأساليب العمل والإنتاج.
3. إنها عامل في التنمية الاجتماعية: للتربية دور هام في التنمية الاجتماعية للأفراد من حيث كونهم أفراداً في علاقات اجتماعية تفرضها عليهم أدوارهم المتعددة في المجتمع.
4. أنها ضرورة لإرساء الديمقراطية الصحيحة فالتعليم يحرر الإنسان من العبودية والجهل، والحرية لا يمكن أن تعمل في ظل الأمية أو الفقر الثقافي وهذا يبرز أهمية التربية في تكوين المواطن الحر المستنير القادر على المشاركة.
5. أنها عامل مهم في إحداث الحراك الاجتماعي ويقصد بالحراك الاجتماعي التنقل الاجتماعي وترقي الإفراد وتقدمهم في السلم الاجتماعي.
أنها ضرورية لبناء الدولة المعاصرة، الدولة التي تعيش عصرها على أساس من التقدم العلمي ويتمتع بها الإفراد بالحياة الكريمة.(19)
وعليه نستطيع القول التربية في الوطن العربية عامة ما زالت تلعب الدور التقليدي الذي يتمثل بنقل المعلومات والقيم والمعارف والتقاليد من جيل إلى جيل ، والتربية تعتبر في الوطن العربي السلاح الذي تستخدمه الأنظمة السياسية من اجل إخضاع الناس إلى سلطتها الاجتماعية والأخلاقية وهي من اجل هذا تربي وتؤهل المدرسين من اجل لعب هذا الدور الذي يقود بالنهاية إلى تعليم الأطفال عملية التكرار والحفظ والترديد الذي يقودهم إلى الخضوع طواعية للنظام القائم .
قد نقبل ان يكون دور التربية هو نقل المعارف والمعلومات والقيم والتقاليد والعادات من جيل الى جيل بغرض الحفاظ على الهوية الوطنية او حماية التراث من الضياع، ولكن ما لا نقبله هو عدم اخذ الدور النقدي للعملية ذاتها أي بمعنى أن يحرم الطلبة من عملية نقد المعلومات والقيم والعادات والتقاليد التي تنقل إليهم . بل يذهب النظام السياسي أكثر من ذالك باستخدام الترهيب والتخويف والتكفير للطلبة الذين يتجرؤوا على نقد ما ينقل لهم .أن دور النظام السياسية في تعزيز نمط تربية معين لا يقتصر على المدرسة بل يتعداه إلى المجتمع بكافة مؤسساته الاجتماعية والسياسية والثقافية والإعلامية. وهو أي النظام السياسي يتغلغل إلى صفوف هذه المؤسسات ليتأكد من أنها تقوم بالدور التربوي الذي يريد وهو إخضاع الناس كافة إلى سلطته وهو لا يتردد باستخدام كل الوسائل التي تحط من كرامة المواطنين .وهو بذالك يخلق مواطنين سلبيين لا يشعرون بالانتماء الى الوطن محبطين ،يائسين ،يلاحقون قوت يومهم . ومنهم من ينخرط بإعمال عنيفة ضد النظام ومنهم من يرتد الى الدين ليبدأ بتكفير كل من حوله.
وهكذا يزج الناس جميعا في حالة من الاغتراب الاجتماعي الذي لا يؤدي بالنهاية إلى تنمية الموارد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية .
إن أي تربية تريد أن تتطور لا بد لها من إطار عام من الحريات الفكرية والاجتماعية داخل المدرسة ، هذه الحريات التي لا يمكن أن توجد بمعزل عن حالة تعزيز حقوق الإنسان والتربية المدنية والتي بدورها تحتاج لكي تنمو إلى بيئة مدرسية مؤمنة بقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية . هذا لن يتم إلا إذا كان هناك نظام سياسي ديمقراطي يؤمن بالمشاركة والشفافية والمسائلة ، يحترم قضايا حقوق الإنسان ويعززها.
من هنا نرى أن هناك ارتباطا وثيقا ما بين التربية والديمقراطية وحقوق الإنسان من جهة والإبداع والتطور والتغيير الاجتماعي من ناحية ثانية الذي يوصلنا بدوره إلى تنمية حقيقية تسعى إلى تحسين نوعية الحياة للبشر.
|