مقالات |صادرة عن المركز او تتفق مع برامجه
عودة إلى : صفحة المقالات    


الآثار التربوية للعدوان على غزة

سليم الزغل
24-06-2009

لقد شكل العدوان الصهيوني المتواصل على أمتنا الفلسطينية والعربية وشماً طاغياً في ذاكرة الإنسان الفلسطيني حتى بات مكوناً من مكوناته والهاجس الأول في مخيلة الكبار والصغار ، روايات الذبح والتقتيل والتشريد وحكايات المجازر الدموية وفصول المأساة الفلسطينية نقلت جيلاً بعد جيل حتى صارت جزءاً من التراث بل هي الرواية الفلسطينية نعرفها كما نعرف أسمائنا ، إنها السيرة المفضلة للراحلين والظاعنين والسامرين نتغنى بها نرجّع بها مواويلنا فتشجينا وتطربنا عتابا وميجنا ؟!



إنه غزو منظم ومبرمج لمحو الحضارة وقتل الإنسان وطمس معالم التاريخ وإعدام الآخر ، وإحلال الغزاة مكان سكان البلاد الأصليين ، هذه ليست موجة أو عدوان عابر وإنما هي عقيدة دينية تدعمها مؤسسة عسكرية من الطراز الأول مدعومة من أطراف عالمية تقوم على التخطيط وتحقيق الأهداف واحداً تلو الآخر للوصول إلى الهدف النهائي المرسوم .

 

ان النظام الرسمي العالمي الذي سكت على قتل وإبادة أطفال غزة وتلاميذ المدارس في صفوفهم بهذه الصورة الدموية لهو نظامٌ بلا أخلاق وبلا قيم وبلا مبادئ ، نظام يستمرئ قتل العرب وأطفالهم فقط لانهم كذلك إنها فاشية الإنسان الجديدة والتطرف البشري والحضارة المتوحشة .

 

إن كثيراً من الأطفال الضحايا كانوا سيصرعون وبدون الإصابات القاتلة بسبب الخوف والهلع والرعب الشديد ، أكداس هائلة من النساء والأطفال والصغار يتعرضون لأعتى هجمة بربرية أطلق عليها المجرمون (المحرقة) .

مئات الطائرات صممت لتضرب الجيوش والدروع والمواقع العسكرية تطحن أجساد الأطفال وتدك بيوتهم بلا رحمة وبلا إنسانية .

مئات الآلاف من أطنان المتفجرات ومئات الدبابات والدروع صممت للصدام مع الجيوش الكبرى تدوس المنازل وتطحن البشر وتعدم الأطفال والنساء وأمام بصر العالم وسمعه ، إن من بقي حياً من أطفال غزة لن يكون قادراً على استئناف حياته بصورة عادية ، لقد خطط مجرموا الحرب على النيل من نفسية الأجيال الصاعدة فقتلوا فيهم التحدي والإصرار ويزرعوا في نفوسهم الرعب والهلع والتردد والخوف الشديد لست متأكد تربوياً إن كان أطفال غزة الذين فقدوا إخوانهم وزملائهم وأقرانهم لا زالوا يتمتعون بذلك التوازن النفسي الضروري لحياة الإنسان

أم لا ؟!

 

إننا نتسائل وبإلحاحِ شديد إن كان الأطفال في غزة اليوم لا زالوا يمتلكون القدرة على تلقي العلوم ومعارف الحياة وأنماط التربية ، تُرى كيف ينظرون إلى الحياة ؟! ، ما هي تصوراتهم عمّن يحيط بهم من البشر؟! ، السلطة الحاكمة في غزة أو في الضفة هل لا زالت تسميان سلطة في أذهانهم الغضة الطرية؟! ، كيف سينظرون إلى المعلمين إلى الآباء، والأمهات، ورجالات المجتمع ، إلى ملوك العرب ورؤسائهم وأمرائهم وقبائلهم والى النظام الدولي؟! .

 

اعتقد إنهم يتساءلون لماذا لم يقم كل من ذُكر بتوفير الحماية لهم ؟ لماذا تُركوا يذبحون كما تذبح الخراف ؟ كيف سكت العالم ؟ ، أين الجيوش العربية ؟ ، أية حياة هذه وما هو الضمان بأنهم لن يذبحوا في المرة القريبة القادمة كما ذبح اقرانهم ؟ هناك في ساحات المدارس وعلى مقاعد الفصول  إنني أظن أن على مؤسسات التربية والتربويين التفكير في تصميم برنامج تربوي تعليمي يشترك فيه مجموعة من المفكرين والمبدعين لتأمين الإجابة على الكم الهائل من الأسئلة التي تدور في أذهان الصغار هناك في غزة .

ويكون قادراً على استخراج الأسئلة من أدمغتهم والتي لن يبوحوا بها .

 

 إن برامج التعليم التي نلقنها للصغار في التربية  التاريخ والجغرافيا واللغة العربية لن تكون مناسبة بعد اليوم لجيل الطفولة في غزة بعدما ذبح أخوانهم وقد أحاط  بهم مئات الملايين من العرب والمسلمين ؟! علينا أن ننجز مشروعاً عاجلاً يقوم على إتاحة الفرصة بل تمكين كل طفل من كتابة تجربته الذاتية إبّان الحرب ويتم توثيقها بشكل ملائم فنجعل من ذلك مرجعية لوضع برامج تربوية ترقى إلى مستوى كيف يمكن للإنسان أن يُذبح في بيته وعلى تراب وطنه أمام أطفاله أو يذبح الأطفال أمام ذويهم على الهواء مباشرة ؟  والمرة تلو المرة وعلى المزاج والرغبة الصهيونية .

 

سكتت المدافع وسيق الأولاد إلى التعليم في العراء أو في الخيام ربما نريد توصيل رسالة عن الإصرار والقدرة الهائلة للاحتمال وهي مواقف مطلوبة ولكن الأثر التربوي المسيطر لدى الأولاد إن تغيير الأشياء الى مراحل أكثر أمناً وحمايةً لعقولهم وقلوبه وأحلامهم وأمانيهم هي استراتيجيات عامّة يجب أن يتم تبنيها عبر مؤسسة التربية العربية برُمّتها ، وإن ترسيخ القناعات لدى تلاميذ المدارس بأنهم آمنون منذ اليوم هو تكتيك تربوي يقف على رأس أولويات منظمة التربية العربية ، إننا لا زلنا نحن التربويين نُطلق الصيحات المحزونة من هنا في الضفة الغربية وهناك في قطاع غزة فهل يسمعُنا أحد ؟! أو سنعاود سماع صدى صرخاتنا في يومِ

ما ؟!