|
تحسين يقين
ها نحن نودع فارسا آخر من فرسان العمل الوطني..
يرحل الفارس جميل شحادة والمعلم وهو في عزّ
ميدان النضال النقابي..فهل هناك بلاغة أعظم من بلاغة الرحيل خلال المعركة..
هو شهيد الواجب كما هو العمل النقابي والشعبي
عمل وطني نضالي تحرري تماما، وقيد قيل تحرر اجتماعي ووطني..
يرحل ونحن بحاجة إليه: جرأة وقوة وخبرة ومصداقية
ومسؤولية والتزاما..
"أن يضاف إلى جيب المعلم الفلسطيني يعني قمة
سعادتي" تلك عبارته التي كان يكافئ بها نفسه بعد كل نضال نقابيّ ملتزم!
لصوته بحة خاصة، عندما سمعه أحد العاملين في
مطعم نابلسي ذات يوم مضى، قال له:
- ألست الأستاذ جميل شحادة أبو ناصر؟
- بلى..كيف عرفت؟
- من صوتك يا أستاذ..!
رواها لي رحمه الله وهو يضحك..ودخلنا حديثا آخر
عن تجربة الحياة..
لم يكن أستاذا فقط، بل كان أستاذ الأساتذة،
وللكاتب الزميل حسن البطل أن يصفه بحق أنه نقيب النقباء..
ترى كيف كان العم "أبو ناصر" قبل 43 عاما حين
التحق بالعمل الوطني؟
كيف كان عشية تأسيس الاتحاد العام للمعلمين
الفلسطينيين؟
رفاق دربه يعرفون الإجابة، ويعرفون طقوس نهاراته
ولياليه، كيف كان يقضيها، وكيف رافق تدخين النارجيلة ولعب الطاولة!
لم يكن أبو ناصر مميزا في صوته فقط، بل كان
مميزا في كل شيء، تلك الشخصية المتكاملة والمنسجمة غير المكررة، الجذابة، الخصبة
العميقة البسيطة..يحاورك كأنك زميله وأخوه وابنه، لا يعرف من الرسميات غير اسمها،
هو شعبي تماما حتى النخاع!
ولا أظن أن المهمة سهلة، فلا يتقن هذا الدور إلا
العظماء والقادة..
تلك فلسفته في الحياة والنضال، والتي لم يكتسبها
من دراسة الفلسفة اليونانية..وغيرها من الفلسفات حين كان طالبا في جامعة دمشق..بل
من مدرسة الإنسانية والوطن، الذي رأى بحكمته أنه يحتاج إلى البساطة في التعامل مع
أهله، وإلى العمق والجرأة والقوة..في العمل.
لكل واحد منا كمعلمين خصوصا ومثقفين ووطنيين
قصته مع العم "أبو ناصر"، فكان حتى رحيله "أبو المعلمين"، في وقت يرحل فيه الآباء،
فلهم دائما كان منحازا بوفاء قل نظيره، كنا نتابع تصريحاته، ومواقفه، فنستريح من
غبار المعارك، لأنه كان يقاتل وحده، وكأنه كان يشفق علينا من المعارك..
كانت كلماته في وسائل الإعلام حماية لنا، فعن
المعلمين كان مدافعا صلبا، وعليه كان إجماعنا كمعلمين من كل المشارب!
كان يقوينا بكلماته الواثقة رغم إيقاع العمر،
وكان يبشرنا دوما بتحسين أحوالنا..
كان صديقا وزميلا قريبا لا نضطر إلى السفر إليه،
فعن بعد كان قريبا منّا.
قبل 3 أعوام قلت له: يا عم أبو ناصر، تجربتك في
العمل النقابي والشعبي والوطني هامة ومليئة بالتجارب، هلا أورثتنا إياها بأكبر قدر
ممكن؟ فقال يمكنكم الالتقاء بي دائما وسماع ما تريدون..فقلت له: بل نريد شيئا
آخر..وقبل أن يسأل، تابعت كلامي قائلا: يا عم أبو ناصر، نريد كتابا منك!
فابتسم..
- كتابا!
- نعم، وليس أي كتاب، بل كتاب الكتب، تروي فيه
تجربة حياتك، كمثقف وطني ساهم أسس الاتحاد العام للمعلمين، وله بصمة في العمل
الشعبي..
- أريد وقتا..
- تستطيع أن تكتب الفصول بتدرج كلما وجدت
وقتا، وستجدني مساعدا لك إن أحببت في أي شيء..
لم أخف فرحي أن الراحل كان متابعا لكتاباتي، بل
وجدت نفسي كطالب أسعد بتقييمه لي، واتفقنا أن نلتقي قريبا..لكن القريب ابتعد، كان
نضاله النقابي ونشاطه هو ما أخّر اللقاء-الكتاب.
في انتخابات نقابة الصحفيين، كان حاضرا، وحين
سلمت عليه، بادرني بطلب رقم الجوال، فقلت له مبتسما كمن عرف سرّا:
- الكتاب يا عمي أبو ناصر؟
- الكتاب يا تحسين!
- إذن أنا الذي سيهاتفك بأسرع مما تظن..
تذكرت هذا أيضا حين ذكر حسن البطل في عموده يوم
الجمعة 16/3/2010 المعنون ب"النقيب"، حين قال لعمي أبو ناصر: "هناك يا جميل صفحة في
تاريخ المنظمة والشعب عليك ملؤها. دوّن هذه التجربة في "شهادة على العصر". اتفقنا،
مبدئياً، هو أن يحكي حلقات على المسجّل، ويقوم زميلي تحسين يقين بتحرير الحلقات في
كتاب". فيبدو أن المرحوم ذكر اسمي كمحرر، وأن أخي حسن زكاني.
كان من المشرفين على انتخابات المكتب الحركي
للكتاب، وانتخاب أعضاء الأمانة من الحركيين الكتاب..ورغم ابتسامته العذبة، إلا أنه
كان متعبا..ثم داهمه القلب..فحزنت أنني حيت اتصلت عليه هذه المرة للسؤال عنه من قبل
أحد أفراد الأسرة..لم يرد عليّ غير صوت التسجيل الآلي..إنه مقفل الآن!
ولي أن أظل متذكرا حواري القصير الأخير معه، ولي
أن أتذكر حواري الطويل معه ذات صيف..وكيف روى لي تفاصيل نضاله في العمل النقابي،
والاحترام المتبادل بينه وبين قائد المسيرة أبو عمار..ذلك التفاهم العجيب، الذي كان
السر في ذلك ثقة القائد أبو عمار به؛ فقد كان أبو عمار يشعر أن أبو ناصر صادقا في
دفاعه عن المعلمين؛ فلم يسع رئيس الاتحاد العام للمعلمين إلى أي منصب رسمي، وظل
محتفظا بمنصبه الشعبي حتى الرمق الأخير. ولربما يتساءل الناس عن هذا الحرص، ولي أن
أفسّره بمحبة الراحل للعمل الشعبي ليس أكثر، بجانب أنه ظل يحظى بإجماع المعلمين.
لماذا؟ لأن الراحل اكتسب مصداقية كبيرة في العمل
النقابي، خصوصا في فترة تأسيس السلطة الوطنية هنا على أرض الوطن، تلك السلطة التي
هي ذراع وطني لمنظمة التحرير..حيث فهم أبو ناصر المعادلة الوطنية والنضالية
والنقابية، فكان انحيازه للنقابة ومطالب المعلمين أساسا من أسس وعيه الوطني هنا على
أرض الوطن، ولم يجد أن هناك تناقضا ما بينهما، رغم أن هناك من أراد أن يفهم غير
ذلك، أما أبو عمّار رحمه فقد أدرك لبعد نظره معنى أن يترك نقيب المعلمين مسافة بينه
وبين السلطة؛ لأن التماهي معها يعّرض العمل الوطني والسياسي للخطر، فقوة الاتحاد
قوة لفتح ولمنظمة التحرير بشكل عام. ولعزيزنا الوفيّ حسن البطل أن يقول بثقة في
عموده "وحده هذا الاتحاد، وهذه النقابة لم ينفرط عقدها، أو تهتز أواصرها، في
الانتقال الصعب من نضالٍ سياسي في حقبة المنفى، إلى نضال مطلبي لا يستكين في حقبة
السلطة الوطنية".
"صفحة حياة طُوِيَت.. وصفحة تجربة مديدة لم ترَ
النور...(....)أربعون عاماً مُتّصلة نقيباً لاتحاد المعلّمين (1969) وعضواً،
لاحقاً، في المجلسين الوطني والمركزي.. هذه هي تجربة حياة". هكذا قال البطل في
"النقيب" وعنه! فمن سيملؤها الآن؟ ربما التلاميذ والزملاء، والمعارف والأصدقاء
والنقابيون وكوادر النضال الشعبي وكوادر وقادة منظمة التحرير، هؤلاء محبو أبو ناصر،
لهم أن يكتبوا ما لم يكتبه أبو ناصر، لربما يملئوا بعضا مما لم يسعفه القلب ولا
الأيام ليكتبه..وعندما تصير الكتابة بعضا من الوفاء سنحبها ونحترم كاتبها..
له الآن يترجل، تاركا مقهى رام الله حزينا يرثي
حضوره اليومي، مزينا مساء رام الله وليلها بابتساماته، ولنا أن نتذكره، ونتذكر
آراءه في الناس وشجاعته..
في الصيف المقبل سيأتي دور انتخابات المعلّمين،
في سياق انتخابات المنظمات الشعبية، سيكون من الوفاء أن نكون حاضرين بكتاب عن
المؤسس الراحل: جميل شحادة.
للمعلمين ونقابتهم قدوة حسنة بالإنسان المؤسس،
إنها فرصتهم للاقتداء بها، للارتقاء بالعمل النقابي كعمل وطني وإنساني أيضا..
ولي ولحسن البطل أن نساهم بالتحرير..ولأبي ناصر
الرحمة تنطلق من حناجر عشرات الآلاف من معلمي ومعلمات فلسطين..
نعيد ونكرر قوله الأثير لديه، لما هو موعظة
للأحياء:
"أن يضاف إلى جيب المعلم الفلسطيني يعني قمة
سعادتي".
تلك عبارته التي كان يكافئ بها نفسه بعد كل نضال
نقابيّ ملتزم!
لم يكن الإضراب عند أبو ناصر إضرابا من أجل
الإضراب..كان ذلك درسا تعلمناه منه، كما تعلمنا منه الصلابة، والمنطق، تعلمنا بدون
كتاب..تعلمنا بالقدوة والسلوك..ورغم ذلك كان لا بدّ من الكتاب، عليك رحمة الله يا
عمنا أبو ناصر....إلى موكب الخالدين مضيت فارسا واقفا حتى النفس الأخير..
Ytahseen2001@yahoo.com
|