تعريف المواطنة:
المواطنة كلمة عربية استحدثت للتعبير بها عند تحديد الوضع الحقوقي والسياسي للفرد في المجتمع ،
عرفها أحمد حكمت شمس الدين/ الجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان، بأنها: تعني بمفهومها الواسع الصلة أو الرابطة القانونية بين الفرد والدولة التي يقيم بشكل ثابت، وتحدد هذه العلاقة عادة حقوق الفرد في الدولة وواجباته تجاهها، أي يعني المواطن الانسان الفرد العضو الكامل في الدولة، والمواطنة على أنها الوضعية القانونية الأساسية في الدولة المعاصرة، ويقف الفرد أمام الدولة كمواطن قبل كونه أي شيء آخر، وعضويته في الدولة لا في الطائفة، ولا في العائلة، ولا غيرها في الانتماءات الأخرى.
إن جوهر المواطنة يكمن في قضيتين أساسيتين:
الأولى: مشاركة المواطنين في الحكم، على قاعدة أن الشعب مصدر السلطات، وتترجم هذه المشاركة من خلال العملية الديمقراطية، التي لا تحرم المواطنين من التعبير عن إرادتهم الحرة في التفكير، والاختيار، والمشاركة، تحقيقا لرغباتهم، وطموحاتهم، وعليه من حق المواطنين ( وفق الأهلية القانونية ) التي يحددها الدستور الترشح للمناصب، والتصويت، كذلك انتخاب ممثليهم لكافة الهيئات.
كما يمكنهم المشاركة في عملية صنع السياسة العامة – وعلى عدة مستويات – إما بشكل مباشر من خلال ممثليهم، أو من خلال دورهم في الرقابة، والمساءلة، وتشكيل الأحزاب، ومجموعات الضغط لإحداث التغيير المنشود، وهذه الحقوق يكفلها الدستور للمواطنين.
ولا يمكن الحديث بأي حال من الأحوال عن مواطنة بدون المشاركة، التي يجب أن يتم الإقرار بها، واحترامها، ووضع التشريعات، واتخاذ الخطوات المناسبة التي تكفل تحقيقها بشكل فعلي.
الثانية : المساواة بين جميع المواطنين: هذه إحدى القضايا الجوهرية في المواطنة، فلا يجوز التمييز بين المواطنين على أساس ( الدين، العرق، الجنس، اللون، الانتماء السياسي .....الخ ) ويجب أن ينال المواطنون حقوقا وواجبات متساوية دون أية اعتبارات كما سبق ذكره، إضافة إلى المساوة فيما بينهم أمام القانون.
إن عملية بناء الدولة كمشروع مجتمعي متكامل تتطلب تفاعل وتعاون المواطنيين الفاعلين الناشطين، الذين يتحلون بجملة من المعارف، مسلحين بالمهارات التي تمكنهم من النقد والتحليل، والتقييم، وممارسة الرقابة، والابداع، مهارات تمكنهم من المشاركة الواعية والهادفة، تحركهم توجهاتهم الايجابية وروح المسؤولية العالية، وقبولهم باختلافات المواطنيين الذين يشاركونهم المواطنة والعيش في هذا المجتمع على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، إن هذا الاختلاف لا يلغي أو يقلل من شأن الآخرين بأفكارهم، ومعتقداتهم، وحريتهم على الفعل، والاختيار( فإذا لم تقبله كمواطن لأنه مختلف عنك، فأنت في نظره أيضا مختلف) والصراع على امتلاك الحقيقة المطلقة ضرب من الجنون.
ومن هنا فإن المواطنة هي الوعاء الكبير الذي يستوعب هذه الاختلافات، ويعطي الشرعية لتعددية المجموعات، والآراء والتيارات، والأحزاب المختلفة، مع احتفاظ كل طرف بالمحافظة على عاداته، وتقاليده، ونمط حياته، واحترام الآخرين بعاداتهم، وتقاليدهم، وأفكارهم، ونمط حياتهم.
المواطنة، والانتماء، والتربية:
تعددت الآراء في الانتماء، وتنوعت أبعاده ما بين فلسفي ونفسي واجتماعي ، ففي حين تناوله البعض من خلال الدافعية، اعتبره آخرون حاجة ضرورية على الإنسان إشباعها ليقهر عزلته وغربته ووحدته وهناك من اعتبره ميلاً يحركه دافع قوي لدى الإنسان لإشباع حاجته الأساسية في الحياة .
ومهما اختلفت الآراء لكن الواضح أنه من الصعب أن يعيش الفرد بدون انتماء، والسؤال كيف يمكن أن يكون انتماء الأفراد متوحدا، منصهرا في إطار المواطنة كمظلة للجميع ؟
أن تكفل الدولة مشاركة المواطنين؛ والمساواة فيما بينهم، والاعتراف بحريتهم ( وهو أمر يطول نقاشه، ونختلف حوله على أرض الواقع ) كفيل بأن يشعر المواطن بذاته، وكيانه، وربما ترتقي درجة الانتماء لديه، وأن تخلق لديه حالة من الدافعية للتفاعل الايجابي، وتقديم الواجبات برضا كامل، قائم على القناعة الذاتية بتقدير الواجبات كقيمة، وعد التهرب منها. لكن الوصول لحالة من الانصهار، والاندماج الكامل، والشعور بالذات، وتحقيقها يتطلب أيضا أن تتوحد جهود ( الدولة، مؤسسات المجتمع المدني، مؤسسات التنشئة المختلفة ) على التربية على هذه المواطنة، وأن تتحدد مخرجات هذه التربية لتجيب بشكل واضح محدد ( ما هو المواطن الذي نريد ؟؟ ) سؤال واحد يلخص الكثير والكثير. والعمل للإجابة عليه بشكل عملي يتطلب العمل الدؤوب، من الجميع في عملية مستمرة دون توقف، نخرج فيها من الانتماءات والولاءا ت الضيقة، إلى رحاب المواطنة الفسيحة.
من المؤكد أننا نريد مواطنا يعرف أنه مصدر السلطات في بلده، وأن هذا يكفل له حق المشاركة سواء المباشرة ( الترشيح، الانتخاب، التصويت ) أو غير المباشرة، وأنه كمواطن يمتلك – ويكفل له الدستور والقانون – ممارسة الضغط كأحد أنواع المشاركة، سواء من خلال الأحزاب، مجموعات الضغط، وسائل الإعلام ...الخ.
من المؤكد أننا نريد مواطنا يعرف حقوقه، ويطالب بها في حال انتهاكها، ويؤدي واجباته، مؤمنا بأهميتها، مواطن يعرف طبيعة، وهيكلية، ودور النظام السياسي.
مواطنا يتقن مهارات التفكير المنطقي، والتحليلي، والنقدي (الناقد) والإبداعي، مهارات التواصل اللفظية والكتابية، مهارات الاستماع الفعال، مهارات المشاركة المدنية في الحياة العامة مثل مهارات الخطابة والقيادة والاقتراع، مهارات العمل في فريق.....الخ
مواطنا يقبل ويحترم التنوع والتعددية، مواطن مسؤول، يحترم القانون، متسامح، يلتزم بالقيم المدنية المشتركة، يسهم ايجابيا في الحياة العامة....الخ
إن شكل التربية الأسرية، والمدرسية، والحزبية التي يتعرض لها الأطفال الفلسطيين لن تقود – للأسف – لمواطن يمتلك ثلث هذه الصفات، لذلك من الطبيعي أن لا يدرك الشباب أن تمثيلهم – حتى داخل أحزابهم – ليس على المستوى المطلوب، فكيف بهذا التمثيل في النظام السياسي، ومؤسساته المتنوعة! ، ومن الطبيعي أن يكون هذا الانقسام الفلسطيني لأن شكل التربية المطلوب الحالم بقبول الاختلاف والتعددية في إطار المواطنة؛ لم يتحقق بعد، والسؤال هل أدركنا خطورته لنربي بطريقة مختلفة ؟!. هل أدركنا خطورته لنحاول وقفه، وأن نمارس دورنا كمواطنيين مسؤولين؟. هل أدركنا خطورته على الأجيال الناشئة التي أشبعت بكم هائل من الشحنات السلبية المختزنة، والتي لا يمكن محو آثارها بين عشية وضحاها!؟
هل هناك من يعطي للمواطنين، حرية الفكر، والفعل، والاختيار، هل الحرية بهذا الفهم تلازمنا ونحن ذاهبون لصندوق الاقتراع لاختيار من يمثلنا على سبيل المثال ؟!
هل تتم التربية بأن هناك انتماء يفوق الانتماء للعائلة، العشيرة، التنظيم ....الخ وأن مواطنيتنا تفرض علينا انتماء يفوق هذا الشكل الضيق ؟! الذي من شأنه أن يقودنا إلى الهاوية ؟
إن أحد أوجه الانتماء؛ المساهمة ولعب دور فاعل في عملية التغيير، وأي فئة مؤهلة لتلعب هذا الدور أكثر من فئة الشباب ؟! ربما تبدو حقوق هذه الفئة منقوصة على صعد مختلفة ( الرسمية، الحزبية، مؤسسات المجتمع المدني ) لكن أحدا لا يستطيع الانتقاص من دور هذه الفئة وتأثيرها في التغييرعندما تمارس حريتها بشكل فاعل ومسؤول،