معطيات واحصائيات وحيثيات لافتة استمعت اليها، في مؤتمرين متتاليين عقدتهما مؤسسة برامج الطفولة والعمل الجماهيري ، حول ظاهرة العنف في مدارسنا. ويندرج هذان المؤتمران ضمن سلسلة نشاطات وفعاليات نظمتها مؤسسات مجتمعية فلسطينية تكاملت مع مبادرات لمؤسسات اعلامية، اجمعت على ان انتشار هذه الظاهرة واتساعها يجعل حياة الطالب بخاصة في الصفوف الابتدائية والاعدادية في مرمى الخطر . وحيث ان الطفل يُمارس العنف ويُمارَس ضده ، تصبح المدارس ساحة مفتوحة للعنف والعنف المضاد.
ان مبادرة هذه المؤسسة المقدسية لفتح ملف ظاهرة العنف تشخيصاً وتحليلاً واستخلاصاً، يؤكد ان هناك في مجتمعنا الفلسطيني من يحاول التصدي للملفات الصعبة والمعقدة والساخنة . فالعمل المجتمعي لا ينبغي ان يتركز في المواضيع السهلة فقط التي لا يتطلب تناولها جهداً او نبشاً في اعماق الظواهر، لاسيما ونحن بامس الحاجة لفتح الملفات الكبيرة المتعلقة بحاضرنا ومستقبلنا.
واذا كان طالب المرحلة الابتدائية يرمز ويدلل وجوديا ومعنويا على الحاضر المعاش ، فإنه نفسه حامل لواء العمل والتغيير في المستقبل، لانه رافعته. ومعروف ان المجتمع الفلسطيني يتعرض لعنف خارجي يستهدفه بشكل ممنهج منذ عقود، ولهذا العنف انعكاسات وتجليات وتداعيات على الافراد، فيحاول المضطهد المقموع من قبل الاحتلال، ان يبحث لنفسه عن فريسة يضطهدها ويقمعها، فيصب جام غضبه على الزوجة او الاطفال او من يعملون تحت مسؤوليته في الورشة او المصنع او المؤسسة.
والطفل في مجتمعنا هو ضحية مزدوجة للعنف الممارس ضد شعبه بشكل عام من الاحتلال، ومن العنف الذي يقع عليه من الكبار "الأب الاخوة، الجيران، المعلمون". وهذا اوضحه وشرّحه اجتماعيا ونفسيا وثقافيا منذ زمن فرانس فانون، حينما بيّن في كتابه "المعذبون في الأرض"، ان المضطهد بفتح الهاء من قبل الاستعمار ، يقوم بتفريغ ما تعرض له من تعذيب وقمع في بني جلدته ، بخاصة الذين يقعون تحت مسؤوليته في الاسرة او العمل، فيكون قد قلد مضطهديه وحاكى ممارساتهم وسلوكهم، لكي يثبت ذاته ويؤكد قدراته ويبرهن انه موجود وقادر على الفعل!!. كما ان التربوي العالمي باولو فريري صاحب نظرية التعليم بالمشاركة، درس سلوك المعنفين المقموعين، وكيف يحاولون تفريغ ما تعرضوا له في الضعفاء، لتعيش بالتالي شرائح اجتماعية كاملة حالة مستمرة من التعنيف بأشكاله المختلفة من شتم وضرب الى اعتداءات قد تصل الى حد التهديد الحقيقي لحياة الآخرين.
ونحن في المجتمع الفلسطيني لا يمكن ان نكون خارج سياق ما توصل اليه فانون وفريري وغيرهما من علماء الاجتماع والنفس، بل ان تشخيص هذه الظاهرة ميدانياً لا يحتاج الى كثير من الجهد والعناء والخلفيات النظرية، لأنها واضحة للعيان في حياتنا ، فأي ازدحام طويل امام حاجز احتلالي، يفجر غضب الناس المنتظرين في البرد والحر الشديد ، تجاه بعضهم بعضاً، فتستمع الى السب والتجريح ، واحياناً يتحول المشهد الى عراك بالايدي وغير ذلك، كنوع من التفريغ او تصدير الضغط والازمة.
أما الاسباب الاخرى للعنف في المدارس في رأيي، فتتمثل في الثقافة الاجتماعية السائدة، بمعنى ان ابني من المفروض ان يعود من المدرسة ضارباً لا مضروباً. فإذا ضرب اعتبره قادراً أو مشروع رجل، لأن الضرب والعنف بات مرتبطاً مجتمعياً بالرجل!!! اضافة الى ان متابعاتنا التربوية لا تعطي اهتماماً كبيراً لثقافة التسامح والاعتراف بالآخر. فالطفل في الروضة يتعارك مع زميله الطفل الآخر، وكل منهما يحاول ان يستأثر باللعبة "انها لعبتي"، ولا يتم تثقيفه وتوجيهه بأنها لعبة الاطفال جميعاً، أي التأسيس لـ (النحن) وغرسها في اعماق الطفل حتى وهو في الروضة، ليغدو معترفاً بالآخر متسامحاً ومتكاملاً معه.
لكن في تقديري ان الاعلام من خلال تعدد الفضائيات، بما تبثه من افلام وبرامج، وتحديداً المنقولة عن الاجنبي ، يجعل الطفل متسمراً أمام شاشة التلفاز، منبهراً بالبطل الذي يضرب ويقفز وينقض، ومشدوداَ للمصارع الاكثر عنفاً، ومتعلقاً بالحركة والفعل والسرعة والصراع العنيف. ان ما يصدّر للطفل عبر البث الفضائي، يجعله ضحية عنف اعلامي ، فيذهب الى مدرسته يحاول ان يقلد ما يشاهده بالحركة والركلة والصفعة. كما ان المعلم المقموع احتلالياً ومعيشياً، والمطارد "فواتيرياً" ، سوف يأتي الى المدرسة متوتراً مشدوداً، سرعان ما يرسب في الامتحان مع أول موقف يواجهه في يومه، فيفرغ جام غضبه على تلاميذه، وكأنهم هم مصدر قمعه وتعاسته.
ان للعنف في مجتمعنا مصادر كثيرة ومتعددة لا يمكن الاتيان عليها في مقال قصير، لكن المطلوب ترجمة توصيات المؤتمرات التي تسعى للتخفيف من هذه الظاهرة والحد منها، لأن استئصالها بالكامل يتطلب تدرجاً وتركيماً.
وأخيراً فإن معالجة العنف ليس مسؤولية جهة بمفردها، وانما مسؤولية مجتمع بأسره. انها مسؤولية الاسرة وروضة الاطفال والمدرسة الابتدائية ومن ثم الاعدادية والثانوية. انها مسؤولية المنهاج والاعلام الفلسطيني، مسؤولية الباحث الاجتماعي والمنهاج والأجهزة الرسمية ذات الاختصاص من شرطة وغيرها، لأن هذه الاجهزة مطالبة بالتكامل مع العناصر الاخرى، لاسيما حين يصل العنف مستوى يتطلب تدخلاً سريعاً.
معالجة العنف يتطلب كذلك خططاً وتوجهات جدية، تترجم الى خطوات عملية، فأن نلعن الظلام، ان نلعن ظاهرة العنف، ذلك لا يقدم علاجاً ، لأن العلاج يأتي في سياق العمل والمبادرات، فيما الاعلام بكل مستوياته المكتوب والمسموع والمرئي والالكتروني، مطلوب منه ان يحرك "ماكنته" مثقفاً ومعبئاً ضد العنف، منادياً بالتسامح والتناغم والتكامل مع الآخر.